جيد [976 أ] لما فيه من تغيير سنته، وقد قرَّر هذا أبو العباس مع نظائر له في «الصارم المسلول [1] » كقتل الذي يتعرض لحرمه أو يسبه ونحو ذلك، وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل المفرق بين المسلمين لما فيه من تفريق الجماعة [2] .
ومن هذا الباب: الجاسوس المسلم الذي يُخبر بعورات المسلمين، ومنه: الذي يكذب بلسانه أو بخطِّه، أو يأمر بذلك حتى يقتل به أعيان الأمة، علماؤها وأمراؤها، فتحصل أنواع من الفساد كثيرة، فهذا متى لم يندفع فساده إلا بقتله فلا ريب في قتله، وإن جاز أن يندفع وجاز ألا يندفع قتل أيضًا، وعلى هذا: جاء قوله تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ} [المائدة: 32] وقوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة: 33] .
وأما إن اندفع الفساد الأكبر بقتله لكن قد بقي فساد دون ذلك: فهو محل نظر.
قال أبو العباس: وأفتيت أميرًا مقدمًا على عسكر كبير في الحربية [3] : إذا نهبوا أموال المسلمين ولم ينزجروا إلا بالقتل أن يقتل من يكفون بقتله ولو أنهم عشرة؛ إذ هو من باب دفع الصائل، قال: وأمرت [4] أميرًا خرج لتسكين الفتنة الثائرة بين قيس ويمن، وقد قتل بينهم ألفان أن يقتل من يحصل بقتله كفُّ الفتنة، ولو أنهم مئة.
قال: وأفتيتُ ولاة الأمور - في شهر رمضان سنة أربع «وسبعمئة [5] » - بقتل من أُمسك في سوق المسلمين وهو سكران، وقد شرب الخمر مع بعض أهل الذمة، وهو مجتاز بشقة لحم يذهب بها إلى ندمائه، وكنت أفتيتهم قبل هذا بأن يعاقب عقوبتين عقوبة على الشرب، وعقوبة على الفطر، فقالوا: ما مقدار التعزير؟.
فقلت: هذا يختلف باختلاف الذنب، وحال المذنب وحال الناس، وتوقفت عن القتل فكبر هذا على الأمراء والناس حتى خفت أنه إن لم يقتل ينحل نظام الإسلام على انتهاك المحارم في نهار رمضان، فأفتيت بقتله فقتل، ثم ظهر فيما بعد أنه كان يهوديًا وأنه أظهر الإسلام [976 ب] .
والمطلوب له ثلاثة أحوال:
أحدها: براءته في الظاهر، فهل يحضره الحاكم؟ على روايتين [6] ، وذكر أبو العباس في موضع آخر: أن المدعي حيث ظهر كذبه في دعواه بما يُؤذي به المدعى عليه عُزر لكذبه ولأذاه، وأن طريقة القاضي رد هذه الدعوى على الروايتين، بخلاف ما إذا كانت ممكنة، ونص أحمد [7] في رواية عبد الله فيما إذا علم بالعرف المطرد: أنه لا حقيقة للدعوى لا يعديه، وفيما لم يعرف واحد من الأمرين يعديه كما في رواية الأثرم، وهذا التفريق حسن.
والحال الثاني: احتمال الأمرين، فإنه يحضره بلا خلاف.
(2) ... مسلم (1852) ، من حديث عرفجة بن شريح رضي الله عنه.
(3) ... كذا في الأصل والاختيارات، وصححها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله إلى: «الحرامية» .
(4) ... في الأصل: «وأمر» ، والمثبت من الاختيارات.
(5) ... ليس في الأصل، واستدركت من «الاختيارات» .
(6) ... الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 28/ 393.
(7) ... الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 28/ 393.