الصفحة 98 من 256

فإن كتمان الحق مشبهٌ بالكذب، وينبغي أن يكون سببًا للضمان، كما أن الكذب سبب للضمان، فإن ترك [1] الواجبات عندنا في الضمان كفعل المحرمات، حتى قلنا: لو قدر على إنجاء شخص بإطعام أو سقي فلم يفعل فمات ضمنه.

فعلى هذا: فلو كتم شهادة كتمانًا أبطل بها حق مسلم ضمنه، مثل أن يكون عليه حق ببينة، وقد أداه حقه وله بينة بالأداء فكتم الشهادة حتى يغرم ذلك الحق، وكما لو كانت وثائق لرجل فكتمها أو جحدها حتى فات الحق، ولو قال: أنا أعلمها ولا أؤديها فوجوب الضمان ظاهر، وظاهر نقل حنبل وابن منصور: سماع الدعوى والإعذار [2] والتحليف في الشهادة.

ومن هذا الباب: لو كان في القرية أو المحلة أو البلدة رجل ظالم فسأل الوالي أو الغريب [975 ب] عن مكانه ليأخذ مه الحق، فإنه يجب دلالته عليه بخلاف ما لو كان قصده أكثر من الحق، فعلى هذا: إذا كتموا ذلك حتى تلف الحق ضمنوه ويملك السلطان تعزير من ثبت عنده أنه كتم الخبر الواجب، كما يملك تعزير المُقر إقرارًا مجهولًا حتى يُفسره، أو من كتم الإقرار، وقد يكون التعزير بتركه المستحب، كما يُعزر العاطس الذي لم يحمد الله بترك تشميته، وقال أبو العباس في موضع آخر: والتعزير على الشيء دليل على تحريمه.

ومن هذا الباب: ما ذكره أصحابنا [3] ، وأصحاب الشافعي: من قتل الداعية من أهل البدع كما قُتل الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وغيلان القدري، وقتل هؤلاء له مأخذان:

أحدهما: كون ذلك كفرًا كقتل المرتد ردة مجردة أو مغلظة، وهذا المعنى يعم الداعي إليها وغير الداعي إذا كفر فيكون قتلهم من باب قتل المرتد.

والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس؛ ولهذا كان أصل الإمام أحمد [4] وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي في رد الشهادة، وترك الرواية عنه، والصلاة خلفه وهجره؛ ولهذا تُرك في الكتب الستة و «مسند أحمد» الرواية عن مثل عمرو بن عبيد ونحوه، ولم يترك عن القدرية الذين ليسوا بدعاة، وعلى هذا المأخذ: فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين؛ لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد، ويشبه قتل المحاربين للسنة بالرأي قتل المحاربين لها بالرواية، وهو قتل من يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قتل النبي صلى الله عليه وسلم الذي كذب عليه في حياته [5] ، وهو حديث

(1) ... ليست في الأصل، واستدركت من «الاختيارات» .

(2) ... في الأصل والاختيارات: «الأعداء» ، وصححها الشيخ ابن عثيمين إلى: «الإعذار» ، وأشار إلى أنه في نسخة: «الأعداء» .

(3) ... الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 26/ 462، وكشاف القناع 14/ 120.

(4) ... شرح منتهى الإرادات 6/ 663، وكشاف القناع 15/ 290.

(5) ... أخرجه الطبراني 6/ 277 (6215) ، من حديث رجل من أسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وراه في الأوسط 2/ 318 (2091) ، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

وقال الهيثمي في المجمع 1/ 145: رواه الطبراني في الكبير وفيه أبو حمزة الثُّمالي وهو ضعيف واهي الحديث، ورواه في الأوسط وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت