وقال في «الاختيارات» : «ومن التعزير الذي جاءت به السُّنة ونص عليه أحمد [1] والشافعي [2] : نفي المخنث، وحلق عمر رأس نصر [3] بن حجاج ونفاه لما افتتن به النساء [4] ، فكذا من افتتن به الرجال من المردان «بل هو أولى» [5] .
ولا يُقدر التعزير، بل بما يردع المُعزر، وقد يكون بالعزل والنيل من عرضه مثل أن يقال له: يا ظالم، يا مُعتدي، وبإقامته من المجلس، والذين قدروا التعزير من أصحابنا إنما هو فيما إذا كان تعزيرًا على ما مضى من فعل أو ترك، فإن كان تعزيرًا لأجل ترك ما هو فاعلٌ له فهو بمنزلة قتل المرتد والحربي وقتل الباغي والعادي، وهذا تعزير ليس يُقدر بل ينتهي إلى القتل كما في الصائل لأخذ المال يجوز أن يُمنع من الأخذ ولو بالقتل.
وعلى هذا: فإذا كان المقصود دفع الفساد [975 أ] ولم يندفع إلا بالقتل قُتِل، وحينئذ فمن تكرر منه فعل الفساد ولم يرتدع بالحدود المقدرة بل استمر على ذلك الفساد فهو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل فيُقتل.
قيل: ويمكن أن يُخرج قتل [6] شارب الخمر في الرابعة على هذا، ويُقتل الجاسوس الذي يُكرر التجسس، وقد ذكر شيئًا من هذا الحنفية [7] والمالكية [8] ، وإليه يرجع قول ابن عقيل [9] ، وهو أصل عظيم في صلاح الناس، وكذلك تارك الواجب فلا يزال يُعاقب حتى يفعله، ومن [فر[10] ]إلى بلاد العدو ولم يندفع ضرره إلا بقتله قُتل.
والتعزير بالمال سائغ إتلافًا وأخذًا وهو جار على أصل أحمد [11] ؛ لأنه لم يختلف أصحابه أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها، وقول الشيخ أبي محمد المقدسي: ولا يجوز أخذ مال المعزر فإشارة منه إلى ما يفعله الولاة الظلمة.
ومن وطئ امرأة «أمة [12] » مشتركة قدح ذلك في عدالته وأُدِّب.
والتعزير يكون على فعل المحرمات وترك الواجبات، فمن جنس ترك الواجبات: من كتم ما يجب بيانه كالبائع المدلس، والمؤجر المدلس [13] والناكح وغيرهم من العاملين [14] ، وكذا الشاهد والمخبر والمفتي والحاكم ونحوهم،
(1) ... الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 26/ 464، وكشاف القناع 14/ 125.
(2) ... تحفة المحتاج 9/ 178، ونهاية المحتاج 8/ 21.
(3) ... في الأصل: عمر، والمثبت من «الاختيارات» .
(4) ... رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» 4/ 322.
(5) ... ما بين المعقوفين ليس في الأصل، واستدرك من الاختيارات.
(6) ... ليست في الأصل، واستدركت من «الاختيارات» .
(7) ... فتح القدير 4/ 150.
(8) ... حاشية الدسوقي 2/ 182.
(9) ... الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 26/ 463.
(10) ... في الأصل: «قفز» ، والمثبت من الإفصاح.
(11) ... شرح منتهى الإرادات 6/ 228، وكشاف القناع 14/ 117.
(12) ... ما بين المعقوفين ليس في الأصل، واستدرك من «الاختيارات» .
تنبيه: كانت العبارة في أصل الاختيارات: «امرأة مشركة» ، فصححها الشيخ ابن عثيمين رحمه الله إلى «أمة مشتركة» .
(13) ... ليست في الأصل، واستدركت من «الاختيارات» .
(14) ... كذا في الأصل، والاختيارات، ثم صححها الشيخ ابن عثيمين إلى: «المعاملين» .