الأول: قوله: «لا يُجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» ، ظاهره: أن المراد بالحد: ما ورد فيه من الشارع عدد من الجلد أو الضرب، مخصوص أو عقوبة مخصوصة، والمتفق عليه من ذلك: أصل الزنى والسرقة، وشرب المسكر والحرابة 979 أ، والقذف بالزنى والقتل، والقصاص في النفس والأطراف، والقتل في الارتداد.
واختُلف في تسمية الأخيرين حدًا، واختلف في أشياء كثيرة يستحق مرتكبها العقوبة، هل تُسمى عقوبته حدًا أو لا؟ وهي جحد العارية، واللواط، وإتيان البهيمة، وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها والسحاق، وأكل الدم والميتة في حال الاختيار ولحم الخنزير، وكذا السحر والقذف بشرب الخمر، وترك الصلاة تكاسلًا، والفطر في رمضان، والتعريض بالزنى.
وذهب بعضهم: إلى أن المراد بالحد في حديث الباب: حق الله.
قال ابن دقيق العيد [1] : بلغني أن بعض العصريين قرر هذا المعنى: بأن تخصيص الحد بالمقدرات المقدم ذكرها أمر اصطلاحي من الفقهاء، وأن عرف الشرع أول الأمر كان يُطلق الحد على كل معصية، كبرت أو صغرت، وتعقبه ابن دقيق العيد: أنه خروج عن الظاهر ويحتاج إلى نقل، والأصل عدمه.
قال: ويرد عليه: أنا إذا أجزنا في كل حق من حقوق الله أن يزاد على العشر لم يبق لنا شيء يختص المنع به؛ لأن ما عدا المحرمات التي لا يجوز فيها الزيادة هو ما ليس بمُحرم، وأصل التعزير: أنه لا يشرع فيما ليس بمحرم، فلا يبقى لخصوص الزيادة معنى.
قال الحافظ: والعصري المشار إليه أظنه: ابن تيمية، وقد نقل صاحبه ابن القيم المقالة المذكورة فقال: الصواب في الجواب: أن المراد بالحدود هنا: الحقوق التي هي أوامر الله ونواهيه، وهي المراد بقوله: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229] وفي أخرى: {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1] وقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187] وقال: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا} [النساء: 14] .
قال: فلا يزاد على العشر في التأديبات التي لا تتعلق بمعصية كتأديب الأب ولده الصغير.
قال الحافظ: ويحتمل أن يفرق بين مراتب المعاصي، فما ورد فيه تقدير لا يُزاد عليه، وهو المستثنى في الأصل، وما لم يرد فيه تقدير فإن كانت كبيرة جازت الزيادة فيه، وأُطلق عليه اسم الحد، كما في الآيات المشار إليها، والتحق بالمستثنى 979 ب، وإن كان صغيرة فهو المقصود بمنع الزيادة، فهذا يدفع إيراد الشيخ تقي الدين على العصري المذكور إن كان ذلك مراده، وقد أخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة بالتعزير بلفظ: «لا تُعزروا فوق عشرة أسواط» [2] .
(1) ... إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 2/ 251 و 252.
(2) ... ابن ماجه (2602) : حدثنا هشام بن عمار، ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا عباد بن كثير، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، به. قال البوصيري في الزوائد 3/ 115 (925) : هذا إسناد ضعيف؛ عباد بن كثير، قال فيه أحمد بن حنبل: روى أحاديث كذب لم يسمعها، وقال البخاري: تركوه، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وفي أحاديثه عن الثقات إنكار، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال العجلي: ضعيف متروك الحديث.
وانظر: السلسلة الضعيفة 14/ 1056 (6960) .