الصفحة 105 من 256

فيما يرجع إلى التشديد والتخفيف، لا من حيث العدد [1] ؛ لأن التعزير شُرع للردع، ففي الناس من يردعه الكلام، ومنهم من لا يردعه إلا الضرب الشديد، فلذلك كان تعزير كل أحد بحسبه.

وتُعقِّب: بأن الحد لا يُزاد فيه ولا يُنقص فاختلفا، وبأن التخفيف والتشديد مسلم، لكن مع مراعاة العدد المذكور، بأن الردع لا يُراعى في الأفراد، بدليل: أن من الناس من لا يردعه الحد، ومع ذلك لا يجمع عندهم بين الحد والتعزير، فلو نظر إلى كل فرد لقيل بالزيادة على الحد، أو الجمع بين الحد والتعزيز، ونقل القرطبي [2] : أن الجمهور قالوا بما دل عليه حديث الباب، وعكسه النووي [3] وهو المعتمد، فإنه لا يعرف القول به عن أحد من الصحابة، واعتذر الداودي فقال: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، فكان يرى العقوبة بقدر الذنب، وهو يقتضي: أنه لو بلغه ما عدل عنه، فيجب على من بلغه أن يأخذ به.

الحديث الثاني: حديث النهي عن الوصال، والغرض منه: قوله: «فواصل بهم كالمنكل بهم» .

قال ابن بطال [4] عن المُهلب: فيه: أن التعزير موكول إلى رأي الإمام؛ لقوله: «لو امتد الشهر لزدت» ، فدل على أن للإمام أن يزيد في التعزير ما يراه، وهو كما قال، لكن لا يُعارض الحديث المذكور؛ لأنه ورد في عدد من الضرب أو الجلد فيتعلق بشيء محسوس، وهذا يتعلق بشيء متروك، وهو الإمساك عن المفطرات، والألم فيه يرجع إلى التجويع والتعطيش وتأثيرهما في الأشخاص متفاوت جدًا، والظاهر: أن الذين واصل بهم كان لهم اقتدار على ذلك في الجملة، فأشار إلى أن ذلك لو تمادى حتى ينتهي إلى عجزهم عنه لكان هو المؤثر في زجرهم.

ويُستفاد منه: أن المراد من التعزير ما يحصل به الردع، وذلك ممكن في العشر بأن يختلف الحال في صفة الجلد أو الضرب، تخفيفًا وتشديدًا، والله أعلم.

نعم؛ يُستفاد منه: جواز التعزير بالتجويع ونحوه من الأمور المعنوية 980 ب.

الحديث الثالث: قوله: «عن عبد الله بن عمر: أنهم كانوا يُضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا طعامًا جزافًا أن يبيعوه في مكانهم حتى يُؤووه إلى رحالهم» .

ويُستفاد منه: جواز تأديب من خالف الأمر الشرعي، فتعاطى العقود الفاسدة بالضرب، ومشروعية إقامة المحتسب في الأسواق، والضرب المذكور: محمول على من خالف الأمر بعد أن علم به.

الحديث الرابع: قوله: «ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء يُؤتى إليه، حتى ينتهك من حرمات الله فينتقم لله» [5] .

(1) ... فتح القدير 4/ 215، وحاشية ابن عابدين 4/ 67، والشرح الصغير 2/ 439، وحاشية الدسوقي 4/ 354، وتحفة المحتاج 9/ 179، ونهاية المحتاج 8/ 22، وشرح منتهى الإرادات 6/ 227 و 228، وكشاف القناع 14/ 116.

(2) ... المفهم 5/ 130.

(3) ... شرح النووي على صحيح مسلم 11/ 221.

(4) ... شرح صحيح البخاري 8/ 487.

(5) ... فتح الباري 12/ 176 - 179.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت