إلى أن قال: وقد اختلف نظر العلماء في هذا الحكم فظاهر ترجمة [934 ب] البخاري حمله على من أقر بحد ولم يفسره، فإنه لا يجب على الإمام أن يقيمه عليه إذا تاب، وحمله الخطابي على أنه يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اطلع بالوحي على أن الله قد غفر له؛ لكونها واقعة عين، وإلا لكان يستفسره عن الحد ويقيمه عليه.
وقال أيضًا في هذا الحديث: إنه لا يكشف عن الحدود بل يدفع مهما أمكن، وهذا الرجل لم يفصح بأمر يلزمه به إقامة الحد عليه، فلعله أصاب صغيرة ظنها كبيرة توجب الحد، فلم يكشفه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لأن مُوجب الحد لا يثبت بالاحتمال، وإنما لم يستفسره إما لأن ذلك قد يدخل في التجسيس المنهي عنه، وإما إيثارًا لستر، ورأى أن في تعرضه لإقامة الحد عليه ندمًا ورجوعًا، وقد استحب العلماء تلقين من أقر بموجب الحد بالرجوع عنه، إما بالتعريض وإما بأوضح منه؛ ليدرأ عنه الحد.
وجزم النووي [1] وجماعة: أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر؛ بدليل: أن في بقية الخبر أنه كفرته الصلاة بناء على أن الذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر، وهذا هو الأكثر الأغلب، وقد تُكفر الصلاة بعض الكبائر كمن كثر تطوعه مثلًا بحيث صلح لأن يكفر عددًا كثيرًا من الصغائر، ولم يكن عليه من الصغائر شيء أصلًا، أو شيء يسير وعليه كبيرة واحدة مثلًا، فإنها تكفر عنه ذلك؛ لأن الله لا يُضيع أجر من أحسن عملًا ...
إلى أن قال: وقد تمسك بظاهره صاحب الهدي فقال: للناس في حديث أبي أمامة - يعني المذكور قبل - ثلاث مسائل [2] :
أحدها: أن الحد لا يجب إلا بعد تعيينه والإصرار عليه من المقرِّ به.
والثاني: أن ذلك يختص بالرجل المذكور في القصة.
والثالث: أن الحد يسقط بالتوبة [935 أ] .
قال: وهذا أصح المسالك، وقواه بأن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعًا بخشيته وحده تقاوم السيئة التي عملها؛ لأن حكمة الحدود الردع عن العود، وصنيعه ذلك دال على ارتداعه فناسب رفع الحد عنه لذلك، والله أعلم» [3] .
وقال البخاري أيضًا: «باب: لا يُرجم المجنون والمجنونة» .
وقال علي لعمر: أما علمت أن القلم رُفع عن المجنون حتى يُفيق، وعن الصبي حتى يُدرك، وعن النائم حتى يستيقظ.
حدثنا يحيى بن بُكير، حدثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول
(1) ... شرح النووي على صحيح مسلم 17/ 81.
(2) ... كذا في الأصل، وفي الفتح: مسالك.
(3) ... فتح الباري 12/ 133 - 135.