فهرس الكتاب
فقال سفيان وأبو حنيفة [1] : يقف القطع في الرجل، وإنما عليه في الثالثة الغرم فقط، وقال مالك [2] والشافعي [3] : إن سرق ثالثة قُطعت يده اليسرى، ثم إن سرق رابعة قُطعت رجله اليمنى، وكلا القولين مروي عن عمر وأبي بكر أعني: قول مالك وأبي حنيفة.
فعمدة من لم ير إلا قطع اليد: قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ... [المائدة: 38] ولم يذكر الأرجل إلا في المحاربين فقط.
وعُمدة من قطع الرجل بعد اليد: ما رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعبد سرق فقطع يده اليمنى، ثم الثانية فقطع رجله، ثم أُتي به الثالثة فقطع يده اليسرى، ثم أتي به في الرابعة فقطع رجله، وروي هذا من حديث جابر بن عبد الله، وفيه: ثم أخذه الخامسة فقتله [4] .
إلا أنه مُنكر عند أهل الحديث، ويرده قوله عليه الصلاة والسلام: «هن فواحش وفيهن عقوبة» [5] ، ولم يذكر قتلًا، وحديث ابن عباس: أن النبي عليه الصلاة والسلام قطع الرجل بعد اليد.
وعند مالك أنه يؤدب في الخامسة [6] .
فإذا ذهب محل القطع من غير سرقة بأن كانت اليد شلاء فقيل في المذهب [7] : ينتقل القطع إلى اليد اليسرى، وقيل: إلى الرجل.
واختلف في موضع القطع من القدم، فقيل: يُقطع من المفصل الذي في أصل الساق، وقيل: يدخل الكعبان في القطع، وقيل: لا يدخلان، وقيل: إنها تُقطع من المفصل الذي في وسط القدم «990 ب» .
واتفقوا على أن لصاحب السرقة أن يعفو عن السارق ما لم يرفع ذلك إلى الإمام [8] ؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «تعافوا الحدود بينكم، فما بلغني من حد فقد
(1) ... فتح القدير 4/ 248، وحاشية ابن عابدين 4/ 113.
(2) ... الشرح الصغير 2/ 428، وحاشية الدسوقي 4/ 332.
(3) ... تحفة المحتاج 9/ 155، ونهاية المحتاج 7/ 466.
(4) ... أخرجه الدارقطني 3/ 180 - 181، بلفظ: «أتي بسارق ... » .
قال ابن حجر في التلخيص الحبير 4/ 68 (1782) : فيه محمد بن يزيد بن سنان، قال الدارقطني: هو ضعيف.
وأخرجه أبو داود (4410) ، والنسائي 8/ 90 (4978) ، بلفظ: «جيء بسارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اقتلوه. فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: اقطعوه. فقُطع، ثم جيء به الثانية فقال: اقتلوه. فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: اقطعوه ... فذكره كذلك، قال: فجيء به الخامسة فقال: اقتلوه. قال جابر: فانطلقنا إلى مربد النعم، فاستلقى على ظهره، فقتلناه، ثم اجتررناه، فألقيناه في بئر، ورمينا عليه بالحجارة.
قال ابن حجر في التلخيص الحبير 4/ 68 (1782) : في إسناده مصعب بن ثابت، وقد قال النسائي: ليس بالقوي، وهذا الحديث منكر، ولا أعلم فيه حديثًا صحيحًا.
(5) ... موطأ مالك 1/ 167، مرسلًا، والطبراني 18/ 140 (293) ، من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» 1/ 103: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات إلا أن الحسن مدلس وعنعنه. اهـ.
(6) ... الشرح الصغير 2/ 429، وحاشية الدسوقي 4/ 333.
(7) ... الشرح الصغير 2/ 435، وحاشية الدسوقي 4/ 332.
(8) ... فتح القدير 4/ 256، وحاشية ابن عابدين 4/ 115، والشرح الصغير 2/ 435، وحاشية الدسوقي 4/ 336، وتحفة المحتاج 9/ 129، ونهاية المحتاج 7/ 443، وشرح منتهى الإرادات 6/ 238، وكشاف القناع 14/ 137.