الصفحة 129 من 256

وقال زُفر [1] : لا يجب بإقرار العبد على نفسه بما يوجب قتله ولا قطع يده؛ لكونه مالًا لمولاه، وبه قال شُريح والشافعي [2] وقتادة وجماعة، وإن رجع عن الإقرار إلى شُبهة «991 أ» قُبل رجوعه، وإن رجع إلى غير شبهة فعن مالك [3] في ذلك روايتان، هكذا حكى البغداديون عن المذهب.

وللمتأخرين في ذلك تفصيل ليس يليق بهذا الغرض، وإنما هو لائق بتفريع المذهب» [4] .

وقال في «الاختيارات» : «ولا يشترط في القطع بالسرقة مطالبة المسروق منه بماله، وهو رواية عن أحمد [5] اختارها أبو بكر، ومذهب مالك [6] كإقراره بالزنى بأمة غيره.

ومن سرق ثمرًا «أو كثرًا [7] » أو ماشية من غير حرز أضعفت عليه القيمة، وهو مذهب أحمد [8] ، وكذا غيرها وهو رواية عنه، واللص الذي غرضه سرقة أموال الناس ولا غرض له في شخص معين، فإن قطع يده واجب ولو عفا عنه رب المال» [9] .

وقال البخاري: «باب: كراهية الشفاعة في الحد إذا رُفع إلى السلطان» .

حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يُكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟!» ، ثم قام فخطب، قال: «يا أيها الناس، إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» [10] ».

قال الحافظ: «قوله: «باب كراهية الشفاعة في الحد، إذا رُفع إلى السلطان» ، كذا قيد ما أطلقه في حديث الباب: «أتشفع في حد من حدود الله؟» ، وليس القيد صريحًا فيه، وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا، وهو في مرسل حبيب بن أبي ثابت الذي أشرت إليه، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسامة لما شفع فيها: «لا تشفع في حد؛ فإن الحدود إذا انتهت إلي فليس لها مترك» [11] .

(1) ... المبسوط 9/ 183، وفتح القدير 4/ 259.

(2) ... مذهب الشافعي كمذهب الجمهور في أنه يصح إقرار العبد بما يوجب عليه الحد والقصاص لأنه غير متهم في إيقاع الألم بنفسه، وانظر: تحفة المحتاج 5/ 356، ونهاية المحتاج 5/ 68.

(3) ... الشرح الصغير 2/ 434، وحاشية الدسوقي 4/ 346.

(4) ... بداية المجتهد 2/ 410 - 418.

(5) ... الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 26/ 563.

(6) ... الشرح الصغير 2/ 434 و 435، وحاشية الدسوقي 4/ 346 و 347.

(7) ... ما بين المعقوفين ليس في الأصل، واستدرك من الاختيارات.

(8) ... شرح منتهى الإرادات 6/ 249، وكشاف القناع 14/ 151 - 153.

(9) ... الاختيارات الفقهية ص 296.

(10) ... البخاري (6788) .

(11) ... طبقات ابن سعد 8/ 263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت