الصفحة 134 من 256

فقال الجمهور [1] : تُقطع رجله اليسرى «993 ب» ، ثم إن سرق فاليد اليسرى، ثم إن سرق فالرجل اليمنى، واحتج لهم بآية المحاربة وبفعل الصحابة، وبأنهم فهموا من الآية: أنها في المرة الواحدة، فإذا عاد السارق وجب عليه القطع ثانيًا إلى ألا يبقى له ما يقطع، ثم إن سرق عُزر وسُجن.

وقيل: يُقتل في الخامسة، قاله أبو مصعب الزهري المدني صاحب مالك، وحُجته: ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث جابر، قال: جيء بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «اقتلوه» ، فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، قال: «اقطعوه» ، ثم جيء به الثانية، فقال: «اقتلوه» ... فذكر مثله ... إلى أن قال: فأُتي به الخامسة فقال: «اقتلوه» . قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه ورميناه في بئر [2] . قال النسائي: هذا حديث مُنكر، ومصعب بن ثابت راويه ليس بالقوي، وقد قال بعض أهل العلم كابن المنكدر والشافعي: إن هذا منسوخ، وقال بعضهم: هو خاصٌّ بالرجل المذكور، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على أنه واجب القتل؛ ولذلك أمر بقتله من أول مرة، ويحتمل أنه كان من المفسدين في الأرض ...

إلى أن قال: قال ابن عبد البر [3] : حديث القتل في الخامسة مُنكر، وقد ثبت: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» [4] ، وثبت: السرقة فاحشة وفيها عقوبة، وثبت عن الصحابة قطع الرجل بعد اليد؛ وهم يقرؤون: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] كما اتفقوا على الجزاء في قتل الخطأ، وهم يقرؤون: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95] ويمسحون على الخفين وهم يقرؤون: غسل الرجلين، وإنما قالوا جميع ذلك بالسُّنة.

ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث:

أحدها: حديث عائشة، قوله: «تُقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا» ، قال الحافظ: ووقع في رواية عند مسلم: «فما فوقه [5] » بدل «فصاعدًا» ، وهو بمعناه.

قوله: لم يُقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ثمن مجنّ حجفة أو ترس، والمراد: أن القطع كان «994 أ» في كل شيء يبلغ قدر ثمن المجن، والاعتماد على الأقل فيكون نصابًا ولا يُقطع فيما دونه.

الحديث الثاني: حديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم، وقال الليث: حدثني نافع: قيمته.

قال الحافظ: وقيمة الشيء: ما تنتهي إليه الرغبة فيه، والثمن ما يُقابل به المبيع عند البيع، والذي يظهر أن المراد هنا: القيمة، وأن من رواه بلفظ الثمن إما تجوزًا، وإما أن القيمة والثمن كانا حينئذ مستويين.

(1) ... فتح القدير 4/ 248، وحاشية ابن عابدين 4/ 113، والشرح الصغير 2/ 428، وحاشية الدسوقي 4/ 332، وتحفة المحتاج 9/ 155، ونهاية المحتاج 7/ 466، وشرح منتهى الإرادات 6/ 256 و 257، وكشاف القناع 14/ 171.

(2) ... أبو داود (4410) ؛ والنسائي (4978) .

(3) ... الاستذكار 7/ 549.

(4) ... البخاري (6878) ، ومسلم (1676) .

(5) ... مسلم (1684) ، من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت