قالوا: ولو جرحه المعضوض في موضع آخر لم يلزمه شيء، وشرط الإهدار: أن يتألم المعضوض، وألا يمكنه تخليص يده بغير ذلك من ضرب في شدقيه، أو فك لحييه ليرسلها، ومهما أمكن التلخيص بدون ذلك فعدل عنه إلى الأثقل لم يُهدر.
وعند الشافعية [1] وجه: أنه يهدر على الإطلاق، ووجه: أنه لو دفعه بغير ذلك ضمن.
وعن مالك [2] روايتان أشهرهما: يجب الضمان، وأجابوا عن هذا الحديث: باحتمال أن يكون سبب الإنذار شدة العضِّ لا النزع، فيكون سقوط ثنية العاض بفعله لا بفعل المعضوض؛ إذ لو كان من فعل صاحب اليد لأمكنه أن يخلص يده من غير قلع، ولا يجوز الدفع بالأثقل مع إمكان الأخف.
وقال بعض المالكية [3] : العاضُّ قصد العضو نفسه، والذي استحق في إتلاف ذلك العضو غير ما فعل به، فوجب أن يكون كل منهما ضامنًا ما جناه على الآخر، كمن قلع عين رجل فقطع الآخر يده «1007 ب» ، وتُعقِّب: بأنه قياس في مُقابل النص فهو فاسد.
وقال بعضهم: لعل أسنانه كانت تتحرك فسقطت عقب النزع، وسياق هذا الحديث يدفع هذا الاحتمال.
وتمسك بعضهم: بأنها واقعة عين ولا عموم لها.
وتُعقِّب: بأن البخاري أخرج في الإجارة عقب حديث يعلى هذا من طريق أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه وقع عنده مثل ما وقع عند النبي صلى الله عليه وسلم وقضى فيه بمثله [4] ، وما تقدم من التقييد ليس في الحديث، وإنما أُخذ من القواعد الكلية، وكذا إلحاق عضو آخر غير الفم به، فإن النص إنما ورد في صورة مخصوصة، نبَّه على ذلك ابن دقيق العيد [5] ، وقد قال يحيى بن عمر: لو بلغ مالكًا هذا الحديث لما خالفه، وكذا قال ابن بطال [6] : لم يقع هذا الحديث لمالك؛ وإلا لما خالفه.
وقال الداودي: لم يروه مالك؛ لأنه من رواية أهل العراق، وقال أبو عبد الملك: كأنه لم يصح الحديث عنده؛ لأنه أتى من قبل المشرق.
قال الحافظ: وهو مسلم في حديث عمران، وأما طريق يعلى بن أمية فرواها أهل الحجاز وحملها عنهم أهل العراق، واعتذر بعض المالكية بفساد الزمان، ونقل القرطبي [7] عن بعض أصحابهم: إسقاط الضمان، قال: وضمنه الشافعي، وهو مشهور مذهب مالك [8] .
وتُعقِّب: بأن المعروف عن الشافعي [9] : أنه لا ضمان، وكأنه انعكس على القرطبي.
(1) ... تحفة المحتاج 9/ 188، ونهاية المحتاج 8/ 28.
(2) ... الشرح الصغير 2/ 440، وحاشية الدسوقي 4/ 356.
(3) ... شرح منح الجليل 559 و 560.
(4) ... البخاري (2266) .
(5) ... إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 2/ 232.
(6) ... شرح صحيح البخاري 8/ 522.
(7) ... المفهم 5/ 33.
(8) ... انظر: الشرح الصغير 2/ 440، وحاشية الدسوقي 4/ 356.
(9) ... تحفة المحتاج 9/ 188، ونهاية المحتاج 8/ 28.