الصفحة 162 من 256

تنبيه: لم يتكلم النووي على ما وقع في رواية ابن سيرين عن عمران، فإن مقتضاها إجراء القصاص في العضة، وسيأتي البحث فيه مع القصاص في اللطمة بعد بابين، وقد يقال: إن العض هنا إنما أذن فيه؛ للتوصل إلى القصاص في قلع السِّن، لكن الجواب السديد في هذا: أنه استفهمه «1008 أ» استفهام إنكار لا تقرير شرع، هذا الذي يظهر لي والله أعلم. والذي وقع في رواية ابن سيرين: فقال: «ما تأمرني؟ أتأمرني أن آمره أن يدع يده في فِيك تقضمها قضم الفحل؟ ادفع يدك حتى يقضمها ثم انتزعها» [1] .

قال الحافظ: وفي هذه القصة من الفوائد: التحذير من الغضب، وأن من وقع له ينبغي له أن يكظمه ما استطاع؛ لأنه أدى إلى سقوط ثنية الغضبان؛ لأن يعلى غضب من أجيره، فضربه فدفع الأجير عن نفسه فعضَّه يعلى فنزع يده فسقطت ثنية العاض، ولولا الاسترسال مع الغضب لسلم من ذلك.

وفيه: استئجار الحرّ للخدمة، وكفاية مؤنة العمل في الغزو لا ليقاتل عنه، كما تقدم تقريره في الجهاد.

وفيه: رفع الجناية إلى الحاكم من أجل الفصل، وأن المرء لا يقتصُّ لنفسه، وأن المعتدي [2] بالجناية يسقط ما ثبت له قبله من جناية إذا ترتبت الثانية على الأولى.

وفيه: جواز تشبيه فعل الآدمي بفعل البهيمة إذا وقع في مقام التنفير عن مثل ذلك الفعل.

وفيه: دفع الصائل، وأنه إذا لم يكن الخلاص منه إلا بجناية على نفسه، أو على بعض أعضائه ففعل به ذلك كان هدرًا، وللعلماء في ذلك اختلاف وتفصيل معروف.

وفيه: أن من وقع له أمر يأنفه أو يحتشم من نسبته إليه إذا حكاه كنى عن نفسه، بأن يقول: فعل رجلٌ أو إنسان أو نحو ذلك كذا وكذا، كما وقع ليعلى في هذه القصة، وكما وقع لعائشة حيث قالت: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، فقال لها عروة: هل هي إلا أنت؟ فتبسمت [3] » [4] .

(1) ... مسلم (1673) ، من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.

(2) ... كذا في الأصل، وفي الفتح: «المتعدي» .

(3) ... أخرجه أيضًا أبو داود (179) ، والنسائي 1/ 104 (170) ، والترمذي (86) ، وابن ماجه (502) ، وابن أبي شيبة 1/ 44، والطبري في تفسيره 5/ 105، والدارقطني 1/ 136 - 137، من طرق «وكيع بن الجراح، وأبو بكر بن عيَّاش، وعلي بن هاشم، وأبو يحيى الحماني» ، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنهما، به.

وأُعل بعلتين:

الأولى: أن عروة في هذا الحديث ليس ابن الزبير، بل هو عروة المُزني، وهو مجهول لم يُدرك عائشة.

الثانية: أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا؛ قاله سفيان الثوري، وأحمد بن حنبل،،يحيى بن معين، والبخاري، وأبو حاتم الرازي. انظر: جامع التحصيل ص 159.

وذهب أبو داود، ابن عبد البر، وابن سيد الناس إلى أن لقاء حبيب بعروة ممكن.

وقد ضعَّفه: يحيى بن سعيد القطان، والبخاري، والترمذي، وأبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، والدارقطني. انظر: العلل لابن أبي حاتم 1/ 47 (110) .

وأخرج البخاري (1928) ، ومسلم (1106) ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبل إحدى نسائه وهو صائم، ثم تضحك» .

(4) ... فتح الباري 12/ 219 - 233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت