الصفحة 164 من 256

أصيبت نفسه أو بعضه فهو هدر، وذهب المالكية [1] إلى القصاص، وأنه لا يجوز قصد العين ولا غيرها، واعتلوا: بأن المعصية لا تُدفع بالمعصية.

وأجاب الجمهور [2] : بأن المأذون فيه إذا ثبت الإذن لا يسمى معصية، وإن كان الفعل لو تجرَّد عن هذا السبب يعد معصية، وقد اتفقوا على جواز دفع الصائل ولو أتى على نفس المدفوع [3] ، وهو بغير السبب المذكور معصية فهذا ملحق به مع ثبوت النَّص فيه. وأجابوا عن الحديث: بأنه ورد على سبيل التغليظ والإرهاب، ووافق الجمهور منهم: ابن نافع، وقال يحيى بن عمر منهم: لعل مالكًا لم يبلغه الخبر.

وقال القرطبي في «المفهم» [4] : «ما كان عليه الصلاة والسلام بالذي يهم أن يفعل ما لا يجوز أو يؤدي إلى ما لا يجوز، والحمل على رفع الإثم لا يتم مع وجود النص برفع الحرج، وليس مع النص قياس، واعتل بعض المالكية [5] أيضًا بالإجماع على أن من قصد النظر إلى عورة الآخر ظاهر أن ذلك لا يبيح فقء عينه، ولا سقوط ضمانها عمن فقأها، فكذا إذا كان المنظور في بيته، وتجسس الناظر إلى ذلك، ونازع القرطبي في ثبوت هذا الإجماع، وقال: إن الخبر يتناول كل مطلع، قال: وإذا تناول المُطلع في البيت مع المظنة فتناوله المحقق أولى» .

قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن التطلع إلى ما في داخل البيت لم ينحصر في النظر إلى شيء معين، كعورة الرجل مثلًا، بل شمل استكشاف الحريم، وما يقصد صاحب البيت ستره من الأمور التي لا يجب اطلاع كل أحد عليها، ومن ثم ثبت النهي عن التجسس والوعيد عليه، حسمًا لمواد ذلك، فلو ثبت الإجماع المدعى لم يستلزم رد هذا الحكم الخاص، ومن المعلوم: أن العاقل يشتد عليه أن الأجنبي يرى وجه زوجته وابنته ونحو ذلك، وكذا في حال ملاعبته أهله أشد مما رأى الأجنبي ذكره مُنكشفًا «1009 ب» ، والذي ألزمه القرطبي صحيح في حق من يروم النظر فيدفعه المنظور إليه، وفي وجه للشافعية: لا يُشرع في هذه الصورة.

وهل يشترط الإنذار قبل الرمي؟ وجهان: قيل: يشترط كدفع الصائل، وأصحهما لا، لقوله في الحديث: «يختله بذلك» [6] ، وفي حكم المتطلع من خلل الباب الناظر من كوة من الدار، وكذا من وقف في الشارع فنظر إلى حريم غيره، أو إلى شيء في دار غيره، وقيل: المنع مُختص بمن كان في ملك المنظور إليه، وهل يلحق الاستماع بالنظر؟ وجهان: الأصح: لا؛ لأن النظر إلى العورة أشد من استماع ذكرها، وشرط القياس: المساواة أو أولوية المقيس، وهنا بالعكس.

(1) ... شرح منح الجليل 4/ 560 و 561، ومواهب الجليل 6/ 322 و 323.

(2) ... حاشية ابن عابدين 6/ 585، وتحفة المحتاج 9/ 189 و 190، ونهاية المحتاج 8/ 29 وشرح منتهى الإرادات 6/ 271 و 272، وكشاف القناع 14/ 199.

(3) ... فتح القدير 2/ 271، وحاشية ابن عابدين 6/ 581، والشرح الصغير 2/ 513، وحاشية الدسوقي 4/ 357، وتحفة المحتاج 9/ 181 و 182، ونهاية المحتاج 8/ 23 و 24، وشرح منتهى الإرادات 6/ 268، وكشاف القناع 14/ 191 و 192.

(5) ... شرح منح الجليل 4/ 561، ومواهب الجليل 6/ 322 و 323.

(6) ... البخاري (6900) ، ومسلم (2157) ، من حديث أنس رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت