ومن جهة المعنى: أن الحد الأصغر ينطوي في الحد الأكبر، وذلك أن الحد إنما وُضع للزجر فلا تأثير للزجر بالضرب مع الرجم.
وعُمدة الفريق الثاني: عموم قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] [938 ب] فلم يخص محصنٌ من غير محصن.
واحتجوا أيضًا بحديث علي رضي الله عنه خرَّجه مسلم وغيره: أن عليًا رضي الله عنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسوله [1] .
وحديث عبادة بن الصامت، وفيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «خُذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم بالحجارة» [2] .
وأما الإحصان: فإنهم اتفقوا على أنه من شرط الرجم [3] .
واختلفوا في شروطه، فقال مالك [4] : البلوغ والإسلام والحرية والوطء في عقد صحيح، وحالة جائز فيها الوطء - والوطء المحظور - هو عنده - الوطء في الحيض أو في الصيام، فإذا زنى بعد الوطء الذي هو بهذه الصفة وهو بهذه الصفات فحدّه عنده الرجم.
ووافق أبو حنيفة [5] مالكًا في هذه الشروط إلا في الوطء المحظور، واشترط في الحرية: أن تكون من الطرفين - أعني: أن يكون الزاني والزانية حرين - ولم يشترط الإسلام الشافعي [6] .
وعُمدة الشافعي: ما رواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وهو حديث متفق عليه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهودية واليهودي اللذين زنيا إذ رفع إليه أمرهما اليهود [7] ، والله تعالى يقول: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 42] .
وعُمدة مالك من طريق المعنى: أن الإحصان عنده فضيلة، ولا فضيلة مع عدم الإسلام، وهذا مبناه على: أن الوطء في نكاح صحيح وهو مندوب إليه، فهذا هو حكم الثيب.
وأما الأبكار: فإن المسلمين أجمعوا على أن حد البكر في الزنى جلد مئة [8] ؛ لقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] .
(1) ... لم يخرجه مسلم، وأخرجه البخاري (6812) ، وأحمد 1/ 93 و 107 و 141 و 153، والطحاوي 3/ 140، من طريق سلمة بن كهيل، عن الشعبي، به.
(2) ... أخرجه مسلم (1690) .
(3) ... فتح القدير 4/ 121، وحاشية ابن عابدين 4/ 11، والشرح الصغير 2/ 423 و 424، وحاشية الدسوقي 4/ 320، وتحفة المحتاج 9/ 107 و 108، وشرح منتهى الإرادات 6/ 181، وكشاف القناع 14/ 39.
(4) ... الشرح الصغير 2/ 423، وحاشية الدسوقي 4/ 320.
(5) ... فتح القدير 4/ 130 و 131، وحاشية ابن عابدين 4/ 17 و 18.
(6) ... تحفة المحتاج 9/ 108، ونهاية المحتاج 7/ 427.
(7) ... البخاري (6841) ، ومسلم (1699) .
(8) ... فتح القدير 4/ 125، وحاشية ابن عابدين 4/ 13، والشرح الصغير 2/ 424، وحاشية الدسوقي 4/ 321، وتحفة المحتاج 9/ 109، ونهاية المحتاج 7/ 428، وشرح منتهى الإرادات 6/ 184، وكشاف القناع 14/ 43.