الصفحة 22 من 256

واختلفوا في التغريب مع الجلد:

فقال أبو حنيفة [1] وأصحابه: لا تغريب أصلًا.

وقال الشافعي [2] : لا بُد من التغريب مع الجلد لكل زان ذكرًا كان أو أنثى، حُرًا كان [939 أ] أو عبدًا.

وقال مالك [3] : يُغرب الرجل ولا تُغرب المرأة، وبه قال الأوزاعي، ولا تغريب عند مالك [4] على العبيد.

فعُمدة من أوجب التغريب على الإطلاق: حديث عبادة بن الصامت المتقدم، وفيه: «البِكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام» [5] ، وكذلك ما خرج أهل الصحاح عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني: أنهما قالا: إن رجلًا من الأعراب أتى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله أنشدك الله ألا قضيت لي بكتاب الله؟.

فقال الخصم - وهو أفقه منه: نعم اقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي أن أتكلم، فقال له النبي: «قُل» .

قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديته بمئة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أنما على ابني جلد مئة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما الوليدة والغنم: فردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» ، فغدا عليها أُنيس فاعترفت، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بها فرُجمت [6] .

ومن خصَّص المرأة من هذا العموم فإنما خصَّصه بالقياس؛ لأنه رأى أن المرأة تُعرض بالغربة لأكثر من الزنى، وهذا من القياس المرسل، أعني المصلحي الذي كثيرًا ما يقول به مالك.

وأما عُمدة الحنفية: فظاهر الكتاب، وهو مبني على رأيهم: أن الزيادة على النص نسخ، وأنه ليس ينسخ الكتاب بأخبار الآحاد، ورووا عن عمر وغيره: أنه حد ولم يغرّب.

وروى الكوفيون، عن أبي بكر وعمر: أنهم غربوا.

وأما حكم العبيد في هذه الفاحشة: فإن العبيد صنفان: ذكور وإناث، أما الإناث: فإن العلماء أجمعوا على أن الأمة إذا تزوجت وزنت أن حدها: خمسون جلدة [7] ؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] [939 ب] .

واختلفوا إذا لم تتزوج، فقال جمهور فقهاء الأمصار: حدها خمسون جلدة [8] .

(1) ... فتح القدير 4/ 134، وحاشية ابن عابدين 4/ 15.

(2) ... تحفة المحتاج 9/ 109، ونهاية المحتاج 7/ 428.

(3) ... الشرح الصغير 2/ 424، وحاشية الدسوقي 4/ 321 و 322.

(4) ... الشرح الصغير 2/ 424، وحاشية الدسوقي 4/ 322.

(5) ... مسلم (1690) .

(6) ... البخاري (6828) ، ومسلم (1698) .

(7) ... فتح القدير 4/ 130، وحاشية ابن عابدين 4/ 5، والشرح الصغير 2/ 424، وحاشية الدسوقي 4/ 320، وتحفة المحتاج 9/ 112، ونهاية المحتاج 7/ 429، وشرح منتهى الإرادات 6/ 185، وكشاف القناع 14/ 46.

(8) ... فتح القدير 4/ 130، وحاشية ابن عابدين 4/ 5، والشرح الصغير 2/ 424، وحاشية الدسوقي 4/ 320، وتحفة المحتاج 9/ 112، ونهاية المحتاج 7/ 429، وشرح منتهى الإرادات 6/ 185، وكشاف القناع 14/ 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت