الصفحة 27 من 256

وذكروا: أن حديث عبادة منسوخ - يعني: الذي أخرجه مسلم بلفظ: «الثيب بالثيب، جلد مئة والرجم، والبكر بالبكر، جلد مئة والنفي [1] » - والناسخ له: ما ثبت في قصة ماعز: أن النبي صلى الله عليه وسلم رجمه، ولم يذكر الجلد [2] .

قال الشافعي [3] : فدَّلت السُّنة على أن الجلد ثابت على البكر، وساقط عن الثيب.

والدليل على أن قصة ماعز متراخية عن حديث عبادة: أن حديث عبادة ناسخ لما شرع أولًا من حبس الزاني في البيوت فنسخ الحبس بالجلد، وزيد الثيب الرجم، وذلك صريح في حديث عبادة ثم نسخ الجلد في حق الثيب وذلك مأخوذ من الاقتصار في قصة ماعز على الرجم وذلك في قصة الغامدية والجهنية واليهوديين لم يذكر الجلد مع الرجم.

وقال ابن المنذر [4] : عارض بعضهم الشافعي، فقال: الجلد ثابت في كتاب الله، والرجم ثابت بسُنة رسول الله كما قال علي، وقد ثبت الجمع بينهما في حديث عُبادة، وعمل به علي، ووافقه أبي، وليس في قصة ماعز ومن ذُكر معه: تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم؛ لاحتمال أن يكون ترك ذكره لوضوحه، ولكونه الأصل، فلا يُرد ما وقع التصريح به بالاحتمال.

وقد احتج الشافعي بنظير هذا حين عورض إيجابه العمرة: بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من سأله أن يحج عن أبيه، ولم يذكر العمرة [5] ، فأجاب الشافعي: بأن السكوت عن ذلك لا يدل على سقوطه، قال: فكذا ينبغي أن يجاب هنا [942 أ] .

قال الحافظ: وبهذا ألزم الطحاوي أيضًا الشافعية، ولهم أن ينفصلوا، لكن في بعض طُرقه: «حُج عن أبيك واعتمر» [6] ، فالتقصير في [ترك] ذِكر العمرة من بعض الرواة.

وأما قصة ماعز: فجاءت من طُرُق متنوعة بأسانيد مختلفة لم يذكر في شيء منها أنه جلد، وكذلك الغامدية والجهنية وغيرهما، وقال في ماعز: «اذهبوا به فارجموه» [7] ، وكذا في حق غيره، ولم يذكر الجلد، فدلَّ ترك ذكره: على عدم وقوعه، ودلَّ عدم وقوعه: على عدم وجوبه.

(1) ... مسلم (1690) .

(2) ... البخاري (6824) ، ومسلم (1695) .

(3) ... الأم 7/ 190.

(4) ... الأوسط 12/ 430.

(5) ... أخرجه البخاري (1513) ، ومسلم (1334) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(6) ... أخرجه أحمد 4/ 10 - 12، وأبو داود (1810) ، وابن ماجه (2906) والترمذي (930) ، والنسائي 5/ 111 (2637) ، من طرق عن شعبة قال: سمعت النعمان بن سالم، قال: سمعت عمرو بن أوس يحدث عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه، به.

قال أحمد: لا أعلم في إيجاب العُمرة حديثًا أجود منه، ولا أصح منه.

قال الدارقطني والبيهقي في خلافياته: رواته ثقات.

انظر: تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج 2/ 127 (1044) .

(7) ... البخاري (6815) ، ومسلم (1691) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت