ومن المذاهب المستغربة ما حكاه ابن المنذر [1] وابن حزم عن أبي بن كعب، - زاد ابن حزم [2] : وأبي ذر - وابن عبد البر [3] ، عن مسروق: أن الجمع بين الجلد والرجم خاص بالشيخ والشيخة.
وأما الشاب: فيُجلد إن لم يحصن، ويرجم إن أحصن فقط.
وحُجتهم في ذلك: حديث «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» [4] ، كما سيأتي بيانه في الكلام على حديث عمر في باب رجم الحُبلى من الزنى.
وقال عياض [5] : شذَّت فرقة من أهل الحديث فقالت: الجمع على الشيخ الثيب دون الشاب، ولا أصل له.
وقال النووي [6] : هو مذهب باطل، كذا قال، ونفي أصله ووصفه بالبطلان إن كان المراد به طريقه فليس بجيد؛ لأنه ثابت كما سأبينه في باب البكران يجلدان، وإن كان المراد: دليله ففيه نظر أيضًا؛ لأن الآية وردت بلفظ الشيخ، ففهم هؤلاء من تخصيص الشيخ بذلك: أن الشاب أعذر منه في الجملة، فهو معنى مناسب، وفيه جمع بين الأدلة، فكيف يوصف بالبطلان!.
واستدل به على جواز نسخ التلاوة دون الحكم، وخالف في ذلك بعض المعتزلة، واعتل بأن التلاوة مع حكمها كالعلم مع العالمية فلا ينفكان، وأجيب بالمنع؛ فإن العالمية لا تُنافي قيام العلم بالذات، سلمنا لكن التلاوة أمارات الحكم فيدل وجودها على ثبوته، ولا دلالة من مجردها على وجوب الدوام [942 ب] فلا يلزم من انتفاء الأمارة في طرف الدوام انتفاء ما دلَّت عليه، فإذا نسخت التلاوة لم ينتفِ المدلول، وكذلك العكس.
قوله: «سألت عبد الله بن أبي أوفى: هل رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قلت: قبل سورة النور أم بعد؟ قال: لا أدري» .
قال الحافظ: فائدة هذا السؤال: أن الرجم إن كان وقع قبلها فيمكن أن يدعى نسخه بالتنصيص فيها على أن حد الزاني الجلد، وإن كان وقع بعدها فيمكن أن يُستدل به على نسخ الجلد في حق المحصن، لكن يرد عليه: أنه من نسخ الكتاب بالسنة، وفيه خلاف.
(1) ... الأوسط (12/ 428) .
(2) ... مختصر الإيصال الملحق بالمحلى 11/ 234 و 235.
(3) ... التمهيد 4/ 276.
(4) ... ابن ماجه (2553) ، من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، به.
قال النسائي عقب حديث (7118) : لا أعلم أن أحدًا ذكر في هذا الحديث: «الشيخ والشيخة فارجموهما البتة» غير سفيان، وينبغي أن يكون وهْم، والله أعلم.
قلت: وأصله في الصحيحين: البخاري (6829 و 6830 و 7323) ، ومسلم (1691) بلفظ: «إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف» .
وللحديث طُرق أخرى انظرها في البدر المنير 8/ 583، والسلسلة الصحيحة 7/ 114 (2913) .
(5) ... إكمال المعلم 5/ 505.
(6) ... شرح النووي على صحيح مسلم 11/ 189.