الصفحة 35 من 256

وعن ابن عباس وطائفة: إحصانها التزويج، ونصره أبو عبيد وإسماعيل القاضي، واحتج له: بأنه تقدم في الآية قوله تعالى: {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] فيبعد أن يقول بعده: فإذا أسلمن، قال: فإن كان المراد بالتزويج كان مفهومه أنها قبل أن تتزوج لا يجب عليها الحد إذا زنت، وقد أخذ به ابن عباس، فقال: لا حدَّ على الأمة إذا زنت قبل أن تتزوج، وبه قال جماعة من التابعين، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام، وهو وجه للشافعية [1] .

واحتجَّ بما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس: ليس على الأمة حد حتى تحصن [2] ، وسنده حسن، لكن اختلف في رفعه ووقفه، [والأرجح وقفه] وبذلك جزم ابن خزيمة [3] وغيره، وادعى ابن شاهين في «الناسخ والمنسوخ [4] » أنه منسوخ بحديث الباب.

وتُعقب: بأن النسخ يحتاج إلى التاريخ وهو لم يُعلم، وقد عارضه حديثُ علي: «أقيموا الحدود على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يُحصن» [5] .

واختلف أيضًا في رفعه ووقفه، والراجح أنه موقوف، لكن سياقه في مسلم يدل على رفعه، فالتمسك به أقوى، وإذا حمل الإحصان في الحديث على التزويج، وفي الآية على الإسلام حصل الجمع، وقد بيَّنت السنة أنها إذا زنت قبل الإحصان تُجلد.

وقال غيره: التقييد بالإحصان يفيد أن الحكم في حقها الجلد [946 أ] لا الرجم، فأخذ حكم زناها بعد الإحصان من الكتاب، وحكم زناها قبل الإحصان من السُّنة، والحكمة فيه: أن الرجم لا يتنصف، فاستمر حكم الجلد في حقها.

قال البيهقي: ويحتمل أن يكون نصَّ على الجلد في أكمل حاليها ليستدل به على سقوط الرجم عنها، لا على إرادة إسقاط الجلد عنها إذا لم تتزوج، وقد بيَّنت السُّنة أن عليها الجلد وإن لم تحصن [6] .

قال ابن بطال [7] : زعم من قال: لا جلد عليها قبل التزويج، بأنه لم يقل في هذا الحديث: «ولم تحصن» غير مالك، وليس كما زعموا.

قال الحافظ: وعلى تقدير أن مالكًا تفرَّد بها فهو من الحفاظ، وزياداته مقبولة، وقد سبق الجواب عن مفهومها.

(1) ... الحاوي الكبير 13/ 242 و 243.

(2) ... الطبراني في الأوسط 1/ 153 (478) .

قال الهيثمي في المجمع 6/ 270: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح؛ غير عبد الله بن عمران؛ وهو ثقة.

(3) ... أخرجه عنه البيهقي في معرفة السنن والآثار 12/ 335 (16911) .

(4) ... ص 501 (673) .

(5) ... أخرجه مسلم (1705) .

(6) ... مصنف عبد الرزاق 7/ 395 (13610) .

(7) ... شرح صحيح البخاري (8/ 471) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت