وقد ثبت النهي عن إضاعة المال، فكيف يجب بيع الأمة ذات القيمة بحبل من شعر لا قيمة له؟! فدل على أن المراد: الزجر عن معاشرة من تكرر منه ذلك.
وتُعُقِّب: بأنه لا دلالة فيه على بيع الثمين بالحقير، وإن كان بعضهم قد استدل به على جواز بيع المطلق التصرف ماله بدون قيمته ولو كان بما يتغابن بمثله، إلا أن قوله: «ولو بحبل من شعر» [1] ، لا يراد به ظاهره، وإنما ذكر للمبالغة، كما وقع في حديث: «من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة» [2] على أحد الأجوبة؛ لأن قدر المفحص لا يسع أن يكون مسجدًا حقيقة، فلو وقع ذلك في عين مملوكة فلا يبيعها وليه إلا بالقيمة، ويحتمل أن يطرد؛ لأن عيب الزنى تنقص به القيمة عند كل أحد، فيكون بيعها بالنقصان بيعًا بثمن المثل، نبَّه عليه القاضي عياض [3] ومن تبعه.
وقال ابن العربي: المراد من الحديث: الإسراع بالبيع وإمضاؤه، ولا يتربص به طلب الراغب في الزيادة، وليس المراد بيعه بقيمة الحبل حقيقة.
وفيه: أنه يجب على البائع أن يعلم المشتري بعيب السلعة؛ لأن قيمتها إنما تنقص مع العلم بالعيب، حكاه ابن دقيق العيد [4] ، وتعقبه: بأن العيب لو لم يعلم [947 ب] لم تنقص القيمة، فلا يتوقف على الإعلام.
واستشكل الأمر ببيع الرقيق إذا زنى مع أن كل مؤمن مأمور أن يرى لأخيه ما يرى لنفسه، ومن لازم البيع أن يوافق أخاه المؤمن على أن يقتني ما لا يرضى اقتنائه لنفسه.
وأُجيب: بأن السبب الذي باعه لأجله ليس محقق الوقوع عند المشتري؛ لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنه متى عاد أخرج، فإن الإخراج من الوطن المألوف شاق، ولجواز أن يقع الإعفاف عند المشتري بنفسه أو بغيره.
قال ابن العربي: يُرجى عند تبديل المحل تبديل الحال، ومن المعلوم: أن للمجاورة تأثيرًا في الطاعة وفي المعصية.
قال النووي [5] : وفيه: أن الزاني إذا حُد ثم زنى لزمه حد آخر، ثم كذلك أبدًا، فإذا زنى مرات ولم يُحد فلا يلزمه إلا حد واحد.
قال الحافظ: من قوله: فإذا زنى ابتداء، كلام قاله؛ لتكميل الفائدة وإلا فليس في الحديث ما يدل عليه إثباتًا ولا نفيًا، بخلاف الشق الأول فإنه ظاهر.
(1) ... البخاري (6839) ، مسلم (1703) ، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) ... أخرجه ابن ماجه (738) ، وابن خزيمة (1292) ، من طريق عبد الله بن وهب، عن إبراهيم بن نشيط، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، به.
قال البوصيري في الزوائد 1/ 94: هذا إسناد صحيح.
وأخرجه أحمد 1/ 241 من طريق شعبة، عن جابر، عن عمار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، به. = قال الهيثمي في المجمع 2/ 7: فيه جابر الجعفي وهو ضعيف.
(3) ... إكمال المعلم 5/ 537.
(4) ... إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 2/ 239 و 240.
(5) ... شرح النووي على صحيح مسلم 11/ 211.