وفيه إشارة إلى أن العقوبة في التعزيرات إذا لم يفد مقصودها من الزجر لا تفعل؛ لأن إقامة الحد واجبة، فلما تكرر ذلك ولم يفد عدل إلى ترك شرط إقامته على السيد، وهو الملك؛ ولذلك قال: «بيعوها» ، ولم يقل: اجلدوها كلما زنت، ذكره ابن دقيق العيد [1] .
وقال: قد تعرَّض إمام الحرمين لشيء من ذلك، فقال: إذا علم المعزر أن التأديب لا يحصل إلا بالضرب المبرح فليتركه؛ لأن المبرح ليهلك وليس له الإهلاك، وغير المبرح لا يفيد.
قال الرافعي: وهو مبنيٌّ على أن الإمام لا يجب عليه تعزير من يستحق التعزير، فإن قلنا: يجب، التحق بالحد فليعزره بغير المبرح وإن لم ينزجر [948 أ] ، وفيه: أن السيد يُقيم الحد على عبده وإن لم يستأذن السلطان» [2] .
وقال البخاري أيضًا: «باب لا يُثرب على الأمة إذا زنت ولا تُنفى» .
وذكر حديث أبي هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر» [3] .
قال الحافظ: «التثريب: التعنيف، وزنه ومعناه، وقد جاء بلفظ: «ولا يعنفها» ، وأما النفي فاستنبطوه من قوله: «فليبعها» ؛ لأن المقصود من النفي: الإبعاد عن الوطن الذي وقعت فيه المعصية، وهو حاصل بالبيع.
وقال ابن بطال [4] : وجه الدلالة: أنه قال: «فليجلدها» ، وقال: «فليبعها» ، فدل على سقوط النفي؛ لأن الذي ينفى لا يقدر على تسليمه إلا بعد مدة، فأشبه الآبق.
قال الحافظ: وفيه نظرٌ؛ لجواز أن يتسلمه المشتري مسلوب المنفعة مدة النفي، أو يتفق بيعه لمن يتوجه إلى المكان الذي يصدق عليه وجود النفي.
وقال ابن العربي [5] : تُستثنى الأمة؛ لثبوت حق السيد فيقدم على حق الله، وإنما يسقط الحد؛ لأنه الأصل والنفي فرع.
قال الحافظ: وتمامه أن يقال: رُوعي حق السيد فيه أيضًا بترك الرجم؛ لأنه فوت المنفعة من أصلها بخلاف الجلد، واستمر نفي العبد؛ إذ لا حقَّ للسيد في الاستمتاع به.
واستدلَّ من استثنى نفي الرقيق: بأنه لا وطن له، وفي نفيه قطع حق السيد؛ لأن عموم الأمر بنفي الزاني عارضه عموم نهي المرأة عن السفر بغير المحرم، وهذا خاص بالإماء من الرقيق دون المذكور، وبه احتج من قال: لا يُشرع نفيُ النساء مطلقًا.
واختلف من قال بنفي الرقيق، فالصحيح: نصف سنة، وفي وجه ضعيف عند الشافعية: سنة كاملة [6] . وفي ثالث: لا نفي على رقيق، وهو قول الأئمة الثلاثة [7] والأكثر.
(1) ... إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 2/ 240.
(2) ... فتح الباري 12/ 163 - 165.
(3) ... البخاري (6839) .
(4) ... شرح صحيح البخاري 8/ 472.
(5) ... أحكام القرآن لابن العربي 1/ 463.
(6) ... تحفة المحتاج 9/ 112، ونهاية المحتاج 7/ 429.
(7) ... فتح القدير 4/ 134، وحاشية ابن عابدين 4/ 15، والشرح الصغير 2/ 424، وحاشية الدسوقي 4/ 321 و 322، وشرح منتهى الإرادات 6/ 185، وكشاف القناع 14/ 46.