الصفحة 63 من 256

وقال أبو حنيفة [1] والشافعي [2] : لا يُقام عليها الحد بظهور الحمل مع دعوى الاستكراه، وكذلك مع دعوى الزوجية، وإن لم تأت في دعوى الاستكراه بأمارة، ولا في دعوة الزوجية ببينة؛ لأنها بمنزلة من أقر ثم ادعى الاستكراه، ومن الحُجة لهم: ما جاء في حديث شُراحة: أن عليًا رضي الله عنه قال لها: أستكرهتِ؟ قالت: لا، قال: فلعل رجلًا أتاك في نومك [3] ؟.

قالوا: ورُوي الإثبات عن عمر أنه قَبِلَ قول امرأة ادعت أنها ثقيلة النوم، وأن رجلًا طرقها فمضى عنها ولم تدر من هو بعد [4] ، ولا خلاف بين أهل الإسلام أن المُستكرهة لا حد عليها [5] ، وإنما اختلفوا في وجوب الصداق لها.

وسبب الخلاف: هل الصداق عوض عن البُضع أو هو نحلة؟ فمن قال: عوض عن البُضع أوجبه في البُضع في الحلِّية والحُرمية، ومن قال: إنه نحلة خص الله به الأزواج لم يُوجبه» [6] .

وقال الشيخ ابن سعدي:

«سؤال: ما الحكمة في الحدود المرتبة على المعاصي، وفي مقدار كل منها؟.

الجواب وبالله نهتدي إلى طريق الصواب: أما حكمة الباري في الحدود فأعظم من أن تُذكر، وأشهر من أن تنكر، فإن فيها من الردع عن المعاصي والذنوب، وأنواع الظلم ما هو من ضرورات الخلق، فضلًا عن كمالياتهم، فلولا الحدود التي رتَّبها الله ورسوله على المعاصي لتجرأ الجُناة وتزاحم على الشر العُصاة، ولكان كل من ليس في قلبه من الإيمان ما يردعه إذا قدر على شيء من المعاصي والظلم لم يحجزه عنه حاجز، وهذا أمر فُطرت عليه الخليقة، برها وفاجرها، أنه لا بُد من رادع يردع المتجرئين على الشر والظلم والفساد، ولكن المقادير التي جاءت بها الشريعة أحسن الأحكام وأعدلها وأكفها للشرور، فإن الشارع رتَّب على كل جريمة ما يُناسبها من العقوبة، فلما كان القتل أشد العقوبات رتبه على أعظم المعاصي وأكثرها ضررًا وفسادًا على الكفر بأنواعه، وعلى الزنى إذا تفاقمت شناعته، بأن يقع من حر قد أنعم الله عليه بالنكاح الحلال، فإذا أقر على نفسه أربع مرات، أو شهد عليه أربعة رجال عدول، وصرحوا بحقيقة الوطء المحرم فإنه يُرجم بالحجارة حتى يموت؛ ليذوق كل عضو في بدنه من العقوبة ما ذاق من اللذة المحرمة، وليكون خزيًا وفضيحة ورادعًا لغيره عن جنايته.

(1) ... فتح القدير 4/ 113، وحاشية ابن عابدين 4/ 7 و 9.

(2) ... المجموع 22/ 53 و 54.

(3) ... أخرجه أحمد 1/ 140 و 153، والبيهقي 8/ 220.

قال الألباني في الإرواء 8/ 6: إسناده صحيح على شرط مسلم.

(4) ... تقدم تخريجه 9/ 107.

(5) ... فتح القدير 4/ 156، وحاشية ابن عابدين 4/ 31، والشرح الصغير 2/ 423، وحاشية الدسوقي 4/ 318، وتحفة المحتاج 9/ 105، ونهاية المحتاج 7/ 425، وشرح منتهى الإرادات 6/ 191، وكشاف القناع 14/ 57.

(6) ... بداية المجتهد 2/ 405.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت