الصفحة 64 من 256

وكذلك قُطاع الطريق المفسدون على الناس طرقهم بالقتل، ونهب الأموال، وإخافة الخلق، ضررهم عظيم، وشرهم متفاقم، قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} ... الآية [المائدة: 33] .

بعض العلماء جعل هذا الحكم مخيرًا فيه الإمام بحسب ما يراه من المصلحة، وبعضهم رآه مرتبًا على الجناية بحسبها، وهو الصحيح الموافق لعدل الله وحده، فإنْ قَتل وأخذ المال قُتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قُطعت يده اليمنى، ورجله اليسرى التي تبين أنه استعان بها على قطع الطريق، وإن أخاف الناس فقط نُفي وشُرد من الأرض، إما بإجلائه حتى لا يُترك يأوي إلى بلد إلى أن يظهر توبته، أو بحبسه ومنعه من التصرف والجولان.

وأما السارق: فلما كان أخف من قاطع الطريق من جهتين:

إحداهما: أنه يسرق خفية من دون مجاهرة وغصب.

والثاني: أنه يمكن التحرز منه بالتحفظ والتيقظ، صار أخف من قاطع الطريق، وصار حده أن تُقطع يمينه، ثم إن عاد قطعت رجله اليسرى إذا سرق من حرز نصابًا، وهو ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو ما يساوي ذلك، وثبت فعله بالإقرار، أو بشهادة رجلين عدلين، فإن اختل شرط من هذه القيود لم يُقطع، وأما إذا كان الزاني غير مُحصن وهو حر فإنه يُجلد مئة جلدة، ذكرًا كان أو أنثى، ويُغرب عامًا عن وطنه ومألفه؛ ليذوق ألم الضرب والاغتراب، كما ذاق اللذة المحرمة.

وأما القذف بالزنى: فإنه انتهاك لعرض أخيه وتعريضه لإساءة الناس به الظنون، ولا يمكن المقذوف تكذيبه وإزال ما لطخ به عرضه، فصار حده ثمانين جلدة أعظم من الرمي بالكفر والنفاق والفسق ونحوهما؛ لعدم وصولهما في الضرر إلى القذف بالزنى، فالقتل صيانة للأديان والأبدان، والقطع في السرقة، وفي المحاربة صيانة للأموال، والضرب في القذف صيانة للأعراض.

وأما شرب الخمر: فلما كان أخف من ذلك كله صار حده أربعين، أو ثمانين جلدة، بحسب اختلاف الصحابة ومن بعدهم من العلماء، وهوِّن في ضربه ليحصل الردع من غير ضرر كبير.

وأما المعاصي الأخرى التي لم يقدر فيها حدًا مُعينًا فشرع للولاة من تعزيرهم وتأديبهم ما يُوجب انقماع من تجرأ على معصيته، والتزام من ترك واجبًا، وهذا يرجع إلى الاجتهاد بحسب الجريمة والفاعل لها، والوقت الذي وقعت فيه، فلله تعالى من النعمة على الخلق عمومًا، وعلى المؤمنين خصوصًا في الزواجر والروادع الأخروية والدنيوية التي خوَّف بها العباد؛ لئلا يكثر الفساد، ويحصل من الشقاء والعذاب ما لا يُعد ولا يُحصى» [1] .

وقال البخاري: «باب رجم الحُبلى من الزنى إذا أحصنت» .

وذكر حديث ابن عباس الطويل، قال: كنت أقرئ رجالًا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف، وفيه: فجلس عمر على المنبر، ثم قال: إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما

(1) ... الإرشاد ص 554 و 556.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت