وعُمدة من رأى أن الحد لكل واحد منهم: أنه حق للآدميين، وأنه لو عفا بعضهم ولم يعف الكل لم يسقط الحد.
وأما من فرق بين قذفهم في كلمة واحدة، أو كلمات، أو في مجلس واحد أو في مجالس؛ فلأنه رأى أنه واجب أن يتعدد الحد بتعدد القذف؛ لأنه إذا اجتمع تعدد المقذوف وتعدد القذف كان أوجب أن يتعدد الحد.
وأما سقوطه، فإنهم اختلفوا في سقوطه بعفو القاذف [1] :
فقال أبو حنيفة [2] والثوري والأوزاعي: لا يصح العفو، أي: لا يسقط الحد.
وقال الشافعي [3] : يصح العفو، أي: يسقط الحد، بلغ الإمام أو لم يبلغ.
وقال قوم: إن بلغ الإمام لم يجز العفو، وإن لم يبلغه جاز العفو.
واختلف قول مالك في ذلك: فمرة قال [4] بقول الشافعي، ومرة قال [5] : يجوز إذا لم يبلغ الإمام، وإن بلغ لم يجز، إلا أن يريد بذلك المقذوفُ الستر على نفسه، وهو المشهور عنه.
والسبب في اختلافهم: هل هو حق لله، أو حق للآدميين، أو حق لكليهما؟.
فمن قال: حق لله، لم يُجز العفو كالزنى، ومن قال: حق للآدميين، أجاز العفو، ومن قال: لكليهما، وغلب حق الإمام إذا وصل إليه قال بالفرق بين أن يصل الإمام، أو لا يصل، وقياسًا على الأثر الوارد في السرقة.
وعُمدة من رأى أنه حق للآدميين [962 ب] - وهو الأظهر: أن المقذوف إذا صدقه فيما قذفه به سقط عنه الحد، وأما من يقيم الحد فلا خلاف أن الإمام يقيمه في القذف.
واتفقوا على أنه يجب على القاذف مع الحد سقوط شهادته ما لم يتب [6] .
واختلفوا إذا تاب:
فقال مالك [7] : تجوز شهادته، وبه قال الشافعي [8] .
وقال أبو حنيفة [9] : لا تجوز شهادته أبدًا.
والسبب في اختلافهم: هل الاستثناء يعود إلى الجملة المتقدمة، أو يعود إلى أقرب مذكور، وذلك في قوله تعالى: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 4 - 5] فمن قال: يعود إلى أقرب مذكور قال: التوبة ترفع الفسق، ولا تقبل شهادته، ومن رأى أن الاستثناء يتناول الأمرين جميعًا قال:
(1) ... كذا في الأصل، والصواب: «المقذوف» .
(2) ... فتح القدير 4/ 198، وحاشية ابن عابدين 4/ 57.
(3) ... تحفة المحتاج 9/ 120، ونهاية المحتاج 7/ 437.
(4) ... المنتقى شرح الموطأ 7/ 148.
(5) ... الشرح الصغير 2/ 427، وحاشية الدسوقي 4/ 327.
(6) ... فتح القدير 4/ 206، وحاشية ابن عابدين 5/ 506، والشرح الصغير 2/ 332، وحاشية الدسوقي 4/ 132، وتحفة المحتاج 9/ 120، ونهاية المحتاج 7/ 437، وشرح منتهى الإرادات 6/ 663، وكشاف القناع 15/ 306.
(7) ... الشرح الصغير 2/ 332، وحاشية الدسوقي 4/ 132.
(8) ... تحفة المحتاج 10/ 245، ونهاية المحتاج 8/ 309.
(9) ... فتح القدير 6/ 29، وحاشية ابن عابدين 5/ 506.