وعُمدة أبي حنيفة: الإجماع على أن الأصل في إقامة الحدود هو السلطان، ورُوي عن الحسن وعمر بن عبد العزيز وغيرهم أنهم قالوا: الجمعة والزكاة والفيء والحكم إلى السلطان.
فصل: وأما بماذا يثبت هذا الحد؟ فاتفق العلماء على أنه يثبت بالإقرار وبشهادة عدلين [1] .
واختلفوا في ثبوته بالرائحة: فقال مالك [2] وأصحابه وجمهور أهل الحجاز: يجب الحد بالرائحة إذا شهد بها عند الحاكم شاهدان عدلان، وخالفه في ذلك الشافعي [3] وأبو حنيفة [4] ، وجمهور أهل العراق، وطائفة من أهل الحجاز، وجمهور علماء البصرة، فقالوا: لا يثبت الحد بالرائحة.
فعمدة من أجاز الشهادة على الرائحة: تشبيهها بالشهادة على الصوت والخط.
وعُمدة من لم يثبتها: اشتباه الروائح والحد يُدرأ بالشُّبهة» [5] .
وقال في «الاختيارات» : «وإذا شككت في المطعوم والمشروب هل يُسكر أو لا؟ لم يحرم بمجرد الشك، ولم يقم الحد على شاربه، ولا ينبغي إباحته للناس؛ إذا كان يجوز أن يكون مسكرًا؛ لأن إباحة الحرام مثل تحريم الحلال، فتكشف عن هذا شهادة من تقبل شهادته، مثل أن يكون طعمه ثم تاب منه، أو طعمه غير معتقد تحريمه، أو معتقدًا حله؛ لتداو ونحوه، أو على مذهب الكوفيين [6] في تحليل يسير النبيذ، فإن شهد به جماعة ممن يتأوله معتقدًا تحريمه فينبغي إذا أخبر عدد كثير لا يمكن تواطؤهم على الكذب أن يحكم بذلك، فإن هذا مثل التواتر والاستفاضة [967 ب] كما استفاض [7] بين الفساق والكفار: الموت والنسب والنكاح والطلاق، فيكون أحد الأمرين: إما الحكم بذلك؛ لأن التواتر لا يُشترط له الإسلام والعدالة، وإما الشهادة بذلك بناءً على أن الاستفاضة تحصل بمِثل ما يحصُل به التواتر.
ولنا: أن نمتحن بعض العدول بتناوله لوجهين:
أحدهما: أنه لا يعلم تحريم بذلك قبل التأويل [8] فيجوز الإقدام على تناوله، وكراهة الإقدام على الشبهة تعارضها مصلحة بيان الحال.
الوجه الثاني: أن المحرمات قد تُباح عند الضرورة، والحاجة إلى البيان موضع ضرورة فيجوز تناولها لأجل ذلك، والحشيشة القنبية نجسة في الأصح، وهي حرام، سكر منها أو لم يسكر، والمسكر منها حرام باتفاق المسلمين [9] وضررها من بعض الوجوه أعظم من ضرر الخمر؛ ولهذا أوجب الفقهاء فيها الحد كالخمر، وتوقف
(1) ... فتح القدير 4/ 178 و 179، وحاشية ابن عابدين 4/ 43 و 44. والشرح الصغير 2/ 438، وحاشية الدسوقي 4/ 353، وتحفة المحتاج 9/ 172، ونهاية المحتاج 8/ 16، وشرح منتهى الإرادات 6/ 220، وكشاف القناع 14/ 101.
(2) ... الشرح الصغير 2/ 438، وحاشية الدسوقي 4/ 353.
(3) ... تحفة المحتاج 9/ 173 و 174، ونهاية المحتاج 8/ 16.
(4) ... فتح القدير 4/ 184، وحاشية ابن عابدين 4/ 43.
(5) ... بداية المجتهد 2/ 408 - 410.
(6) ... فتح القدير 4/ 184، وحاشية ابن عابدين 4/ 41.
(7) ... ما بين المعقوفين ليس في الأصل، واستدرك من الاختيارات.
(8) ... ذكر في الحاشية: نسخة التناول.
(9) ... ما بين المعقوفين ليس في الأصل، واستدرك من الاختيارات.