بعض المتأخرين في الحد بها، وأن أكلها يوجب التعزير بما دون الحد فيه نظر؛ إذ هي داخلة في عموم ما حرم الله تعالى، وأكلتها [1] ينشون عنها ويشتهونها كشراب الخمر وأكثر، وتصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة [2] ، وإنما لم يتكلم المتقدمون في خصوصها؛ لأنها إنما حدث أكلها في أواخر المئة السادسة، أو قريبًا من ذلك، فكان ظهروها مع ظهور سيف بن جنكسخان.
ولا يجوز التداوي بالخمر ولا بغيرها من المحرمات، وهو مذهب أحمد [3] ، ويجوز شرب لبن الخيل إذا لم يصر مسكرًا، والصحيح في حد الخمر أحد الروايتين [4] الموافقة لمذهب الشافعي [5] وغيره: أن الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ليست واجبة على الإطلاق؛ بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام كما [968 أ] جوزنا لها الاجتهاد في صفة الضرب فيه بالجريد والنعال وأطراف الثياب، بخلاف بقية الحدود، ويقتل شارب الخمر في الرابعة عند الحاجة إلى قتله إن لم ينته الناس بدونه» [6] .
وقال عبد الله بن سعدي الغامدي - وفقه الله وغفر له - في كتابه «تحفة البيان في تحريم الدخان» : قال الشيخ محمد فقهي العيني الحنفي: يحرم التدخين من أربعة أوجه:
أحدها: كونه مضرًا للصحة بإخبار الأطباء المعتبرين، وكل ما كان كذلك يحرم استعماله اتفاقًا.
ثانيها: كونه من المخدرات المتفق عليها عندهم المنهي عن استعماله شرعًا؛ لحديث أحمد، عن أم سلمة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتِّر [7] ، وهو مفتِّر باتفاق الأطباء، وكلامهم حُجة في ذلك وأمثاله باتفاق الفقهاء سلفًا وخلفًا.
ثالثها: كون رائحته الكريهة تؤذي الناس الذي لا يستعملونه، وعلى الخصوص في مجامع الصلاة ونحوها، بل تؤذي الملائكة المكرمين، وقد روى الشيخان في «صحيحيهما» ، عن جابر رضي الله عنه مرفوعًا: «من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته» [8] ، ومعلوم أن رائحة التدخين ليست أقل كراهة من رائحة ما ذكر من الثوم والبصل.
(1) ... كذا في الأصل، وفي الاختيارات: «وآكلوها» .
(2) ... ما بين المعقوفين ليس في الأصل، واستدرك من «الاختيارات» .
(3) ... شرح منتهى الإرادات 6/ 218، وكشاف القناع 14/ 96.
(4) ... الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 26/ 423.
(5) ... تحفة المحتاج 9/ 171، ونهاية المحتاج 8/ 15.
(6) ... الاختيارات الفقهية ص 298 و 299.
(7) ... أخرجه أحمد 6/ 309، وأبو داود (3686) ، من طريق شهر بن حوشب، عن أم سلمة، به.
قلت: وقد عدَّ الذهبي في السير 4/ 377 - 378 هذا الحديث مما استُنكر على شهر. قال الألباني في السلسلة الضعيفة 10/ 378 (4732) : هذا إسناد ضعيف؛ لسوء حفظ شهر بن حوشب؛ قال الحافظ: «صدوق؛ كثير الإرسال والأوهام» . قلت: ومما يدلُّ على وهمه في هذا الحديث؛ تفرده فيه بقوله: «ومفتر» . فإنه قد ثبت عن جمع من الصحابة في صحيح مسلم وغيره، بألفاظ متقاربة، وطرق متكاثرة، ولم يرد فيها هذا الذي تفرد به شهر، فدل على أنه منكر.
(8) ... البخاري (7359) ، ومسلم (564) .