فذهب الجمهور [1] إلى الثمانين.
وقال الشافعي [2] - في المشهور عنه - وأحمد [3] في رواية وأبو ثور وداود [4] : أربعين، وتبعه على نقل الإجماع: ابن دقيق العيد [5] والنووي [6] ومن تبعهما.
وتُعقِّب: بأن الطبري وابن المنذر وغيرهما حكوا عن طائفة من أهل العلم: أن الخمر لا حدَّ فيها، وإنما فيها التعزير، واستدلوا بأحاديث الباب، فإنها ساكتة عن تعيين عدد الضرب.
وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريج ومعمر: سُئل ابن شهاب: كم جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم [970 ب] في الخمر؟ فقال: لم يكن فرض فيها حدًا كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقول لهم: ارفعوا [7] .
وورد: أنه لم يضربه أصلًا، وذلك فيما أخرجه أبو داود والنسائي بسندٍ قوي عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوقّت في الخمر حدًا، قال ابن عباس: وشرب رجل فسكر فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك ولم يأمر فيه بشيء [8] .
وأخرج الطبري من وجه آخر عن ابن عباس: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر إلا أخيرًا، ولقد غزا تبوك فغشى حجرته من الليل سكرانٌ فقال: «ليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله» [9] .
والجواب: أن الإجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحد؛ لأن أبا بكر تحرَّى ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ضرب السكران فصيره حدًا واستمر عليه، وكذا استمر من بعده وإن اختلفوا في العدد.
وجمع القرطبي بين الأخبار: بأنه لم يكن أولًا في شرب الخمر حد، وعلى ذلك يُحمل حديث ابن عباس في الذي استجار بالعباس، ثم شرع فيه التعزير على ما في سائر الأحاديث التي لا تقدير فيها، ثم شرع الحد ولم يطلع أكثرهم على تعيينه صريحًا مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين، ومن ثم توخى أبو بكر ما فعل بحضرة النبي
(1) ... فتح القدير 4/ 185، وحاشية ابن عابدين 4/ 44، والشرح الصغير 2/ 438، وحاشية الدسوقي 4/ 353، وشرح منتهى الإرادات 6/ 219، وكشاف القناع 14/ 99.
(2) ... تحفة المحتاج 9/ 171، ونهاية المحتاج 8/ 15.
(3) ... الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 26/ 423.
(4) ... مختصر الإيصال الملحق بالمحلى 11/ 365 (2291) .
(5) ... إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 2/ 249.
(6) ... شرح النووي على صحيح مسلم 11/ 217.
(7) ... عبد الرزاق 7/ 377 (13540) .
(8) ... أبو داود (4476) ، والنسائي في الكبرى 3/ 254 (5290) .
(9) ... البيهقي 8/ 315.