الصفحة 89 من 256

صلى الله عليه وسلم فاستقر عليه الأمر، ثم رأى عمر ومن وافقه: الزيادة على الأربعين إما حدًا بطريق الاستنباط وإما تعزيرًا.

قال الحافظ: وبقي ما ورد في الحديث: أنه إن شرب فحُدَّ ثلاث مرات، ثم شرب قتل في الرابعة، وفي رواية الخامسة، وهو حديث مخرَّج في «السنن [1] » من عدة طرق أسانيدها قوية، ونقل الترمذي الإجماع على ترك القتل [2] ، وهو محمول على من بعد من نقل غيره القول به، كعبد الله بن عمرو فيما أخرجه أحمد [3] والحسن البصري وبعض أهل الظاهر [971 أ] ، وبالغ النووي [4] فقال: هو قول باطل مُخالف لإجماع الصحابة فمن بعدهم، والحديث الوارد فيه منسوخ، إما بحديث: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث» [5] ، وإما بأن الإجماع دل على نسخه.

قال الحافظ: بل دليل النسخ منصوص، وهو ما أخرجه أبو داود من طريق الزهري، عن قبيصة في هذه القصة، قال: فأُتي برجل قد شرب فجلده، ثم أُتي به قد شرب فجلده، ثم أُتي به فجلده، ثم أُتي به فجلده، فرُفع القتل وكانت رخصة [6] ، وسيأتي بسط ذلك في الباب الذي يليه» [7] .

وقال البخاري أيضًا: «باب ما يُكره من لعن شارب الخمر، وأنه ليس بخارج من الملة» .

حدثنا يحيى بن بُكير، حدثني الليث، قال: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب: أن رجلًا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله، وكان يُلقب حمارًا، وكان يُضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا فأمر به فجُلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يُؤتى به! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنوه، فو الله ما علمت أنه يحب الله ورسوله» [8] ».

قال الحافظ: «قوله: «باب ما يُكره من لعن شارب الخمر، وأنه ليس بخارج من الملة» يشير إلى طريق الجمع بين ما تضمنه حديث الباب من النهي عن لعنه وما تضمنه حديث الباب الأول: «لا يشرب الخمر وهو مؤمن» [9] ، وأن المراد به نفي كمال الإيمان لا أنه يخرج عن الإيمان جملة، وعبر بالكراهة إشارة إلى أن النهي للتنزيه في حق من يستحق اللعن إذا قصد به اللاعن محض السب، لا إذا قصد معناه الأصلي، وهو الإبعاد عن

(1) ... أبو داود (4482) ، والترمذي (1444) ، والنسائي 8/ 313 (5661) .

(2) ... انظر: الإجماع (663) ، وفتح القدير 4/ 175 و 179، وحاشية ابن عابدين 4/ 44، والشرح الصغير 2/ 438، وحاشية الدسوقي 4/ 353، وتحفة المحتاج 9/ 171، وشرح منتهى الإرادات 6/ 219، وكشاف القناع 14/ 99.

(4) ... شرح النووي على صحيح مسلم 11/ 217.

(5) ... البخاري (6878) ، ومسلم (1676) ، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(6) ... أبو داود (4485) .

(7) ... فتح الباري 12/ 66 - 73.

(8) ... البخاري (6780) .

(9) ... البخاري (6772) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت