الصفحة 23 من 34

ولا تبدو لنا في هذا الفصل أيُّ لمسة تجديدية في المضمون، وإنما هي إعادة ترتيب وصهر لمباحث الدلالات وتقسيماتها المختلفة عند الأصوليين ضِمن قسمة واحدة جامعة (منطوق، ومفهوم) .

وممّا يُؤخَذ على عملية الصّهْر هذه -من وجهة نظرنا- أن فيها تكلُّفًا وتعسُّفًا؛ وذلك أن الاعتبارات والحيثيات للتقسيمات التي يوردها الأصوليون، وعنها تنشأ أنواع الألفاظ عندهم، متعددةٌ ومتباينةٌ، بحيث لا يمكن وضعها في قسمة واحدة إلا على حساب إفسادٍ في معاني نواتجها. فالنص والظاهر -مثلًا- لا يستقيم جعلهما قسيمين لمفهوم الإشارة أو مفهوم الموافقة، في قسمةٍ واحدة؛ إذ قد يكون اللفظ من جهة قوة الدلالة نصًا، ومن جهة كيفية الدلالة مدلولًا عليه بطريق الموافقة أو الإشارة، كما في قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} (الإسراء: 23) الذي يدل على تحريم الضرب قطعًا؛ فهو نص من جهة القوة والوضوح، ويدل عليه أيضًا بطريق الموافقة؛ فهو دلالة مفهوم من جهة كيفية الدلالة. فحيثيات التقسيم للألفاظ عند الأصوليين مختلفة ما بين القوة، والكيفية، والشمول، والوضع. ولهذا، فقد تجتمع في اللفظ الواحد أوصاف أربعة في آنٍ معًا؛ كأن يكون ظاهرًا أو نصًا، ومفهومًا أو منطوقًا، وعامًا أو خاصًا، وحقيقةً أو مجازًا.

وكما حاول المؤلِّف المزج بين تقسيمات مختلفة الاعتبارات ضِمن تقسيم واحد، فقد حاول مزج آراء الحنفية في آراء الجمهور، فوقع في تناقض أحيانًا، ومن ذلك قوله بظنية دلالة العام تماشيًا مع رأي الجمهور، ثم قوله بقطعية دلالة المطلق والأمر والنهي، التي هي من أنواع الخاص، تماشيًا مع رأي الحنفية. ولا نحسب أن أحدًا صنع مثل ذلك قبلًا؛ لأن المبدأ الذي اعتمد عليه الحنفية في قطعية العام هو نفسه الذي اعتمدوا عليه في قطعية المطلق، وبخلافهم الجمهور، وهو القول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت