بجواز تأخُّر البيان عن وقت الخطاب، أو عدم جواز ذلك -وهي المسألة المهمة التي لا تجد تعريجًا للمؤلِّف عليها- فاختلافُ قولي المؤلِّف في المسألتين تناقضٌ سافر.
وممّا يُؤخَذ أيضًا على هذا الفصل جعله دلالة الإشارة من دلالة المنطوق، وهو غريب حقًا؛ لأن المدلول عليه إشارةً أبعد كثيرًا عن اللفظ والعقل من المدلول عليه موافقةً أو بالمفهوم المخالف، وقد قصر دلالة المفهوم عليهما.
كما أنّ المؤلِّف أجهد نفسه في بيان ما يقع من أنواع الألفاظ تحت دلالة المطابقة، أو التضمُّن، أو الالتزام. وبغضِّ النظر عن صحّة ما قرَّره في هذا الشأن أو ضعفه، فإن تقسيم الدلالة إلى مطابقة وتضمُّن والتزام إنّما هو من تسريبات علم المنطق إلى الأصول، ولا يترتب عليه فائدة عملية حقيقية؛ فسواء أكان اللفظ النص من قبيل دلالة المطابقة، واللفظ الظاهر من قبيل دلالة التضمُّن -كما زعم المؤلِّف- أم العكس، فإن ذلك لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر في الأثر الأصولي، أو الأثر الفقهي القائم على مباحث النص والظاهر.
ويُؤخَذ على هذا الفصل أيضًا إغفاله بحث أنواع من الألفاظٍ قارَّة في مباحث الدلالات في أصول الفقه، لم تجد لها موضعًا في القسمة الجامعة التي تكلَّفها المؤلِّف، بالرغم من الفقه الكثير الذي ينبني على هذه المباحث والألفاظ، مثل: الحقيقة والمجاز، واللفظ المؤول المقابل للظاهر، واللفظ المجمل، وأسباب الإجمال من اشتراك وغيره، والصريح والكنائي. فضلًا عن إغفاله مبحثي دلالة الفعل النبوي، ودلالة السكوت، اللتين لم تُبَحثا في باب السُّنة (حيث أحال مؤلِّف موضوع السُّنة البحث فيهما على مباحث الدلالات) ، ولا هنا.