بعده تتميمًا لغايته من دون أن تُدمَج فيه بالكلية؟ فهذه ثلاثة اتجاهات محتملة في تجديد محتوى علم الأصول: إقرار كل علم على ما هو عليه، أو دمج ما يصلح من هذه العلوم كليًا في أصول الفقه، أو دمج بعضٍ منها فيه جزئيًا في مواطن مخصوصة. ويبدو لنا أن مؤلِّفي الكتاب اختاروا المسلك الثالث، فأضافوا موادّ لا بأس بها من قواعد الفقه وقواعد المقاصد ومباحثهما إلى المادة الأصولية التقليدية، ولكن هذه الإضافة كانت انتقائية بحيث لم يتَّضح للقارئ أُسسُها؛ إذ يوجد الكثير المهم جدًا في ممارسة الاجتهاد والاستنباط الذي اشتملت عليه كتب القواعد والمقاصد، والذي لم يُتطرَّق إليه في الكتاب؛ لذا كان تحرير حدٍّ مرتضى لعلم أصول الفقه ضروريًا لوضع معيار فيما ينبغي أن يُضاف إليه، أو يُحذَف منه.
7.يُؤخَذ على الكتاب أيضًا تضخيم بابَي الحكم الشرعي والاجتهاد، بالرغم من أنهما -على التحقيق- ليسا من صُلْب علم الأصول، بل ملحقان به (الأول بوصفه مقدمةً له، والثاني بوصفه خاتمةً وتذييلًا) ، كما أشار إلى ذلك غير واحد من الأصوليين؛ فهما لا يَصبّان مباشرةً في تحقيق وظيفته الرئيسة التي هي رسم خريطةٍ لاستنباط الأحكام. يضاف إلى ذلك أن علم الأصول هو من علوم الآلة التي ينبغي الحرص على عدم تضخيمها، أو توسيع مباحثها، أو تكثير تفريعاتها وقضاياها، كما ذكر ذلك ابن خلدون في مقدمته؛ [1] لأن ذلك مضرٌّ بالمتعلِّمين، وشاغل لهم عن الاشتغال بما هو أهمُّ من علوم المقاصد.
(1) ينظر: الفصل الثامن والثلاثين:"العلوم الآلية لا تُوسَّع فيها الأنظار، ولا تُفرَّع المسائل"، في:
-ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. تاريخ ابن خلدون (ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر) ، تحقيق: خليل شحادة، بيروت: دار الفكر، ط 1، 1408 هـ/1988 م، ج 1، ص 738.