وغياب المسائل الكلامية، والتداخل والتكرار في بعض مباحثها، واجتنابها التعرُّض للأصول الخلافية كعمل أهل المدينة. وأشار إلى أن كتاب الشافعي"الرسالة"قد استمر بعده محورًا للدراسة نحو قرنين من الزمان، ولكن المصنَّفات الأصوليّة في هذه المرحلة تراوحت ما بين عامّة وخاصّة في موضوعات معيَّنة كالقياس، ومنها ما أَخذ طابع الردود.
وفي أثناء حديث المؤلِّف عن مرحلة التوجهات الكلامية والمذهبية في الأصول، بيَّن أنّ امتزاج الأصول بالكلام جاء على مراحل عدَّة منذ بداية القرن الثالث الهجري، وذلك على يد بعض العلماء، أمثال: الأصم، والمريسي، والنظّام، والعلّاف، ثم على يد الجبائي، وابنه، وأبي الحسن الأشعري، حتى تكلَّل ذلك بالمزج التام المتكامل على يد قاضي المعتزلة عبد الجبار الهمذاني، وقاضي السُّنة أبي بكر الباقلاني، أواخرَ القرن الرابع الهجري. ثم استمر الأمر على هذا النحو مع الإسفراييني، والجويني، والغزالي.
أمّا آثار المزج بين الكلام وأصول الفقه فكانت إيجابية وسلبية؛ أمّا الإيجابية فتمثَّلت في إغناء علم الأصول، في الجانب المنهجي المرتبط بالتبويب، والترتيب، وحُسْن التقسيم، والتمهيد للمباحث والفصول. وأمّا السلبية فتمثَّلت في تغليب الجانب التجريدي على الجانب العملي في الأصول، وجعْلِه ميدانًا للصراعات والخلافات الكلامية ومناصرة المذاهب، بدلًا من قصره على وظيفته الأساسيّة في تفسير نصوص القرآن الكريم والسُّنة الشريفة. وفي معرض بيان إسهامات المذاهب الفقهية في التصنيف الأصولي، استعرض المؤلِّف إسهامات كلٍّ من: الحنفية، والشيعة، والظاهرية، ولا سيما الجصّاص من الحنفية، ثم أشار إلى بداية تراجع علم أصول الفقه وتوقُّفه عن التطور بعد القرنين الخامس والسادس الهجريين تأثُّرًا بعصر الانحطاط والتقليد المذهبي.