الصفحة 6 من 34

استحضار أن تضييق الخلاف كان سببًا في تدوين علم أصول الفقه على يد الشافعي، والثاني: ضمور هذه الوظيفة تدريجيًا لأسباب عدَّة، منها: دخول علم الكلام، والمبالغة في الصناعة المنطقية في باب الحدود والاصطلاحات، وعدم تحرير النزاع في قضايا كثيرة، مثل: الاستحسان، والمصلحة المرسلة، وشرْع مَنْ قبلنا، وغير ذلك؛ ما حدا بابن عاشور -مثلًا- إلى اقتراح علم مقاصد الشريعة بديلًا عن علم الأصول للحدِّ من الخلاف الفقهي. بيد أن اقتراح ابن عاشور -بحسب المؤلِّف- هو محلُّ نظر؛ لأنّ الخلاف في الأصول لم ينبع من العلم نفسه، وإنما نبع ممّا مُزِج به من الكلام، والمنطق، والجدل، ونحو ذلك.

ويمكن القول: إنّ هذا الفصل من الباب التمهيدي هو من أهمّ فصول الكتاب؛ لأنّه يُقرِّر بوضوح المعيار الأساس لتجديد أصول الفقه، الذي يُفترَض أن تنسجم معه بقية فصول الكتاب. صحيح أن هذا الموضوع (الهدف من علم أصول الفقه، ودوره في رسم ملامح التجديد المنشودة) قد طُرِق كثيرًا في الكتابات المُنظِّرة لموضوع تجديد أصول الفقه، [1] غير أن مؤلِّف الكتاب وضع فيه تقسيمًا حسنًا، سالكًا مسلكًا جامعًا لعلّه يلمُّ شتات ما تفرَّق في دعوات التجديد المختلفة هنا وهناك.

وحمل الفصل الثالث من الباب التمهيدي عنوان:"القواعد المنهجية عند الأصوليين"، وقصد منه المؤلِّف:"تلمُّس المعالم المنهجية الأصيلة في هذا الفكر، واستشراف الأفكار النافعة والخادمة لتجديد علم أصول الفقه، ومدِّه بالمُقوِّمات المنهجية الضرورية ليكون هذا العلم منهجًا"

(1) ينظر مثلًا الفصل الموسوم بـ"وظيفة علم الأصول وغايته في المنهج المقترح"، في:

-عبد الكريم، عبد السلام. التجديد والمجددون في أصول الفقه، القاهرة: المكتبة الإسلامية، ط 3، 1428 هـ/2007 م، ص 345.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت