وقد جاء الباب الأول من الكتاب (مصادر الأحكام الشرعية) في تقديم، وخمسة فصول، هي على التوالي: القرآن، والسُّنة، والإجماع، والقياس، والمصلحة.
وفي التقديم لهذا الباب، بيَّن المؤلِّف وجه انحصار مصادر الأحكام في هذه الخمسة فقط، وهي قسمان: أصلية مُنشِئة للأحكام تتمثَّل في القرآن الكريم والسُّنة الشريفة لا غير، وتبعية كاشفة لا مُنشِئة تتمثَّل في الإجماع والقياس والمصلحة. أمّا ما يذكره الأصوليون غير هذه المصادر (مثل: شرْع مَنْ قبلنا، وقول الصحابي وعمل أهل المدينة، والاستحسان والعرف وسد الذرائع، والاستقراء، والاستصحاب) فإنه في الجملة يرتد إلى المصادر الخمسة الآنف ذكرها. فشرْع مَنْ قبلنا يتعلَّق بطائفة من نصوص الكتاب والسُّنة، ويدخل فيهما. أمّا قول الصحابي وعمل أهل المدينة فمِن ملحقات السُّنة؛ لأنهما حجة من حيث إنهما متضمِّنان لها. وأمّا الاستحسان والعرف وسد الذرائع فقواعد أصولية، أو أصولية-فقهية لا مصادر. وأمّا الاستقراء فمسلك من مسالك البحث معمولٌ به في جميع العلوم، وليس مصدرًا. وأمّا الاستصحاب فهو من اسمه استصحاب شيءٍ مُقرَّر سلفًا.
ويرِد على هذا التقسيم في نظرنا أن الإجماع -كما قُرِّر في فصل الإجماع من الكتاب (صفحة 313) - إنما كان حجّة لتضمُّنه نصًّا جليًّا أو خفيًّا، فكان من هذه الجهة كقول الصحابي وعمل أهل المدينة؛ فلا وجه لإفراده مصدرًا دونهما. وكذا القياس؛ فهو قاعدة للاستدلال، وليس مصدرًا بذاته، مثلما وصفه بذلك غير واحد من الأصوليين، فكان كسد الذرائع والاستحسان، فجعله مصدرًا دونهما تحكُّم. وأمّا الاستصحاب فهو من وجهٍ أقرب إلى المصدرية (أو مُستبطِن لمصدرية