الصفحة 11 من 41

قبل ورود الشّرع، أمَّا بعد ورود الشّرع، فلا حكم إلا لله، ولا يوجد مسلمٌ يقول بغير هذا. وعلى ذلك تخرج هذه المسألة من علم أصول الفقه إلى علم أصول الدين» [1] .

ومن أهم ما انبنى على هذا المبدأ إجماعُ الأصوليين على أنّ الاجتهاد بالرأي، بشتّى صُوره، لا يجوز في قضيةٍ دلّ النّصُّ الثابت غير المعارَض على حكمها دلالةً صريحة.

قال الشافعي: «ما كان لله فيه نصُّ حكمٍ، أو لرسوله سُنَّة، أو للمسلمين فيه إجماعٌ، لم يسع أحدًا عَلِم من هذا واحدًا أن يخالفه. وما لم يكن فيه من هذا واحدٌ كان لأهل العلم الاجتهاد فيه بطلب الشُّبْهة [أي: الشِّبَه] بأحد هذه الوجوه الثلاثة» [2] . وقال: «أجمع النّاس على أنَّ من استبانت له سنَّة عن رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، لم يكن له أن يدعها لقول أحدٍ من النّاس» [3] .

وقال زفر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة: «إنّما نأخذ بالرأي ما لم يجئ الأثر، فإذا جاء الأثر تركنا الرأي، وأخذنا بالأثر» [4] .

وقال الجصّاص: «المتوارث عن الصَّدر الأول، ومَن بعدَهم من فقهاء سائر الأعصار إذا ابتُلوا بحادثة طلبوا حكمها من النّصّ، ثم إذا عدموا النّصّ فزعوا إلى الاجتهاد والقياس،

(1) الجويني، إمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله. نهاية المطلب في دراية المذهب، تحقيق: عبد العظيم محمود الديب، جدة: دار المنهاج، ط 1، 1428 هـ=2007 م، المقدمة، ص 247. ومن الجدير ذكره أنّ قول المعتزلة بالتحسين والتقبيح في مجال الأحكام الشرعية متفرِّعٌ عن قولهم بالتحسين والتقبيح في مجال أفعال الباري سبحانه، وهي مسألة وجوب الصلاح والأصلح عليه سبحانه. والمسألة الأصل - أي التحسين والتقبيح العقلي في مجال الأفعال - ذات أثرٍ كبيرٍ في الخلاف بينهم وبين غيرهم في جملةٍ كبيرةٍ ومنتشرةٍ من المسائل الاعتقادية والأصولية، وهذا بخلاف المسألة الفرع ـ أي التحسين والتقبيح العقلي في مجال الأحكام ـ فهي ذات أثرٍ محدودٍ ولم ينبنِ عليها إلا خلافٌ في مسائل معدودةٍ مثل الحكم قبل ورود الشّرع، ووجوب شكر الباري عقلا، وغيرها من المسائل التي لا يُعدّ الخلاف فيها ذا فائدة عَمَليّة ملموسة.

(2) الشافعي. الأم، مرجع سابق، ج 7، ص 300.

(3) نقله عنه ابن القيم. إعلام الموقعين، ج 2، ص 201. ولم أجده في المطبوع من كتب الشافعي.

(4) الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت. الفقيه والمتفقه، تحقيق: عادل بن يوسف الغرازي، المملكة العربية السعودية: دار ابن الجوزي، ط 2، (د. ت) ، ج 1، ص 510.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت