أحدهما: أنّ القائلين به يقصرون دور العقل في الوصول إلى الأحكام على الفترة قبل وُرود النّص. أي أنّ النّاس هل كانوا متعبَّدين بالعقل قبل ورود الشّرع أم لا؟ وهي مسألةٌ قليلة الجدوى والخلاف فيها ليس ذا شأن.
والثّاني: أنّهم يعترفون بمحدوديّة العقل في مجال تقرير الأحكام، أي أنّهم يُقرِّون بأنّ الغالبية العظمى من الأحكام إنّما يمكن إثباتها بالنّصّ فقط دون العقل، وأنّ ما يثبته العقل من الأحكام كوجوب العدل، وحرمة الظّلم، ووجوب شكر المنعم، وغير ذلك، قد جاء بها النص وليست هي موضع خلاف بين أحد.
ومن هنا نجد أنّ المعتزلة، وإن خالفوا أهل السّنّة في كثيرٍ من مسائل الاعتقاد، فقد وافقوهم في الفروع والأحكام في الغالب. قال الأنصاريّ: «لا حكم إلا من الله تعالى بإجماع الأمّة، لا كما في كتب بعض المشايخ: إنّ هذا عندنا، وعند المعتزلة الحاكم العقل. فإنّ هذا ممّا لا يجترئ عليه أحدٌ ممَّن يدّعي الإسلام. بل إنّما يقولون: إنّ العقل معرِّفٌ لبعض الأحكام الإلهية، سواءٌ وَرَد به الشّرع أم لا. وهذا مأثورٌ عن أكابر مشايخنا أيضًا» [1] .
وقال ابن قاضي الجبل: «ليس مرادُ المعتزلة بأنّ الأحكام عقلية: أنّ الأوصاف مستقلّةٌ بالأحكام، ولا أنَّ العقل هو الموجب أو المحرِّم، بل معناه عندهم: أنَّ العقل أدرك أنَّ الله تعالى بحكمته البالغة كلَّف بترك المفاسد وتحصيل المصالح، فالعقل أدرك الإيجاب والتحريم، لا أنَّه أوجب وحرَّم» [2] .
وقال الدكتور عبد العظيم الدِّيب: «وجدنا معظمَ الأصوليين - في مبحث الحكم - يقولون:"لا حاكم إلا الله، خلافًا للمعتزلة؛ فإنّهم يحكِّمون العقل". وعندما قُمنا بتتبُّع نصوص المعتزلة في كتبهم الأصيلة لم نجد هذا صحيحًا بهذا الإطلاق، وإنّما هذا قول المعتزلة
(1) الأنصاري: عبد العلي محمد بن نظام الدين. فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، بيروت: دار الكتب العلمية، ط 2، ج 1، ص 25.
(2) نقله عنه المرداوي: علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان. التحبير شرح التحرير، تحقيق: عبد الرحمن الجبرين وعوض القرني وأحمد السراج، الرياض: مكتبة الرشد، ط 1، 1421 هـ=2000 م، ج 2، ص 721.