الصفحة 9 من 41

وأمّا العقل والرّأي والعرف والمصلحة وغير ذلك من مسمّيات يذكرها كثيرون في أدلة الأحكام أو مصادرها، فلها ثلاث حالات:

إحداها: أن تُقرّر أحكامًا تتّفق مع الأحكام التي قرّرها النّصّ، فالعبرة بما قرّره النّصّ، وهذه المصادر، في هذه الحال، إنّما هي مؤيّداتٌ ومؤكّداتٌ لا يضرّ الاستغناء عنها.

والثانية: أن تُقرّر أحكامًا تصطدم مع الأحكام التي يقرّرها النّصّ، وحينئذٍ فلا اعتبار لها.

والثّالثة: أن تُقرّر أحكامًا لم يتعرَّض لها النّصّ بلفظه أو معناه بطريقٍ مباشرة أو غير مباشرة. وهذا الفَرض غير واقع؛ لأنّه يتناقض مع مبدأ «شمول النّص» الذي سنبيّنه بعد قليلٍ.

نعم، قد يُحيل النّصّ على العقل أو الرأي أو العُرف أو الإجماع في تقرير الحكم، لكنّ هذا لا يعني انفراد هذه المصادر بتقرير الحكم دون النّصّ؛ لأنّها لولا الإحالة من النّصّ لما حقّ لها هذا التّقرير، فالمقرّر النّهائيّ إذن هو النّصّ. قال الشّاطبي: «إذا تعاضد النّقل والعقل على المسائل الشّرعيّة، فعلى شرط أن يتقدّم النّقل فيكون متبوعًا، ويتأخّر العقل فيكون تابعًا، فلا يسرح العقل في مجال النّظر إلا بقدر ما يسرّحه النّقل» [1] . وقال: «الأدلّة العقلية إذا استُعمِلت في هذا العلم فإنّما تُستعمل مركّبة على الأدلّة السمعية، أو مُعِينة في طريقها، أو محقِّقة لمناطها، أو ما أشبه ذلك، لا مستقلّةً بالدّلالة؛ لأنّ النّظر فيها نظرٌ في أمر شرعي، والعقل ليس بشارع» [2] .

ولا يعكّر على هذا المبدأ سوى قولِ المعتزلة وغيرهم بالتّحسين والتّقبيح العقليّين، لأنّ مؤدّى هذا القول الإيمانُ باستقلال العقل بمعرفة الحكم دون دلالةٍ أو إحالة من النّصّ، أي أنّ النّصّ لا يتعيّن طريقًا وحيدًا للوصول إلى الحكم. ولكنّ هذا القول كان ذا أثرٍ محدود جدًّا في الفقه الإسلامي، وذلك لسببين:

(1) الشّاطبي: إبراهيم بن موسى الغرناطي. الموافقات، تحقيق وشرح عبد الله دراز، بيروت: دار المعرفة، ج 1، ص 87.

(2) المرجع السابق، ج 1، ص 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت