الصفحة 13 من 41

وقال الغزالي: «ما أخبر الله تعالى عنه فهو صِدقٌ بدليل استحالة الكذب عليه. ويدلّ عليه دليلان:

أقواهما: إخبار الرّسول، عليه السّلام، عن امتناع الكذب عليه تعالى.

والثّاني: أنّ كلامه تعالى قائمٌ بنفسه، ويستحيل الكذب في كلام النّفس على من يستحيل عليه الجهل» [1] .

ولذلك لم يجوِّز الأصوليّون نسخ الخبر؛ «لأنَّ نسخه والرّجوع عنه يُفضي إلى الكذب» [2] .

وبناءً على هذا المبدأ فليس بمقبولٍ أصوليًا: منهج بعض الفلاسفة: «الذين يقولون: إنَّ الأنبياء أخبروا عن الله وعن اليوم الآخر، وعن الجنّة والنّار، بل وعن الملائكة، بأمورٍ غير مطابقةٍ للأمر في نفسه، ولكنَّهم خاطبوهم بما يتخيَّلون به ويتوهَّمون به أنّ الله جسمٌ عظيم، وأنّ الأبدان تُعاد، وأنَّ لهم نعيمًا محسوسًا، وعقابًا محسوسًا، وإنْ كان الأمر ليس كذلك في نفس الأمر، لأنَّ من مصلحة الجمهور أن يُخاطبوا بما يتوهَّمون به ويتخيَّلون أنَّ الأمر هكذا، وإنْ كان هذا كذبًا فهو كذبٌ لمصلحة الجمهور؛ إذ كانت دعوتُهم ومصلحتهم لا تمكن إلا بهذه الطّريق. وقد وضع ابنُ سينا وأمثاله قانونهم على هذا الأصل، كالقانون الذي ذكره في رسالته الأضحوية. وهؤلاء يقولون: الأنبياء قصدوا بهذه الألفاظ ظواهرَها، وقصدوا أن يفهم الجمهور منها هذه الظّواهر، وإن كانت الظّواهر في نفس الأمر كذبًا وباطلًا ومخالفةً للحقّ، فقصدوا إفهام الجمهور بالكذب والباطل للمصلحة» [3] .

وكذلك ليس بمقبولٍ: منهج القائلين من بعض المعاصرين بأنّ النّصّ استخدم «الأسطورة» ، والقَصّ الرّوائي (=غير الحقيقي) ، مراعاةً لأحوال العرب

(1) الغزالي. المستصفى، مرجع سابق، ص 112.

(2) أبو يعلى الفراء: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف. العدّة في أصول الفقه، تحقيق: أحمد بن علي المباركي، (د. م) : (د. ن) ، ط 2، 1410 هـ=1990 م، ج 3، ص 825.

(3) ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم. درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محمد رشاد سالم، المملكة العربية السعودية: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط 2، 1411 هـ= 1992 م، ج 1، ص 8. ويُنظر: ابن رشد: محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (الحفيد) . فصل المقال فيما بين الشّريعة والحكمة من الاتصال، تحقيق: محمد عمارة، الرياض: دار المعارف، ط 2، (د. ت) ، ص 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت