طَلَبِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ اجْتِهَادَهُ عِبَادَةٌ، وَالْإِثْمُ فِي الْخَطَأِ عَنْهُ مَوْضُوعٌ إِذَا لَمْ يَأْلُ جُهْدَهُ" [1] ، و ظن أن الحق في نفس الأمر فتبين خلافه [2] ؛ قال ابن عثيمين:"وإن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ، وهو أجر الاجتهاد وبذل الوسع والطاقة في طلب الحق" [3] ."
وأما من لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد، أو فرط في تحصيل الحكم، فهو مأزورٌ آنذاك، قال محمد الجيزاني:"فإن قصر في البحث، أو أعرض عن الدليل لشبهةٍ يعلم فسادها، أو تأول الدليل تأويلًا لا يسوغ، فإنه غير معذورٍ، وعليه من الإثم بقدر تفريطه" [4] .
ويلخص لنا الخطابي الحالين قائلًا:"إنما يؤجر المخطئ على اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهاده عبادةٌ، وهذا فيمن كان من المجتهدين جامعًا لآلة الاجتهاد، عارفًا بالأصول، وبوجوه القياس؛ فأما من لم يكن محلًا للاجتهاد فهو متكلفٌ، ولا يعذر بالخطأ في الحكم بل يخاف عليه أعظم الوزر" [5] ، وبمثل هذا قال ابن المنذر [6] .
فاختلاف الأفهام وتفاوت قدرات الاستنباط سنةٌ كونيةٌ، ولم يأمر الله تعالى بحتمية إصابة الحق؛ لأنه تكليفٌ بما لا يطاق [7] ؛ قال الخطيب البغدادي:"فإن قيل: كيف يجوز أن يكون للمخطئ فيما أخطأ أجرٌ، وهو إلى أن يكون عليه في ذلك إثمٌ أقرب، لتوانيه وتفريطه في الاجتهاد حتى أخطأ؟ فالجواب: أن هذا غلطٌ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل للمخطئ أجرًا على خطئه، وإنما جعل له أجرًا على اجتهاده وعفا عن خطئه لأنه لم يقصده" [8] .
ويدل لما سبق نصوص كثيرةٌ منها: قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [9] ، وقال جل وعلا: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا
(1) راجع أيضا: تفسير البغوي، 3/ 300. وتفسير ابن عطية 4/ 91 - 92. وعمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعيني، 16/ 141. وإرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، للقسطلاني، 10/ 344. وفتح الباري، لابن رجب، 8/ 410. وسبل السلام، للصنعاني، 2/ 568.
(2) التيسير بشرح الجامع الصغير، للمناوي، 1/ 90. وعمدة القاري شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، 25/ 67. فيض القدير، للمناوي، 1/ 331.
(3) شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين، 6/ 677.
(4) معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، لمحمد الجيزاني، ص 483.
(5) معالم السنن، للخطابي، 4/ 160 - بتصرفٍ يسيرٍ-. وأيضا: تفسير القرطبي، 11/ 311.
(6) أنظر: فتح الباري، لابن حجر، 13/ 318 - 319. وشرح صحيح البخاري، لابن بطال، 10/ 381.
(7) أنظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، مرجع سابق، 5/ 77.
(8) الفقيه والمتفقه، للخطيب البغدادي، 1/ 475.
(9) سورة البقرة: جزء من الآية، 286.