أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [1] ، فهذه آياتٌ رفعت الحرج عمن لم يتعمد الخطأ، قال ابن كثير:"إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في الحقيقة خطأٌ، بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع؛ فإن الله قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه" [2] .
وقال سبحانه: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [3] ، لقد أصاب سليمان وأخطأ داود عليهما الصلاة والسلام، ولا يمتنع وجود الغلط والخطأ من الأنبياء كوجوده من غيرهم، لكن لا يقرون عليه، وإن أقر عليه غيرهم، وفيه دليل على أن خطأ المجتهد لا يقدح فيه [4] ؛ قال الطاهر بن عاشور:"وهذه الآية أصلٌ في اختلاف الاجتهاد، وفي العمل بالراجح، وفي مراتب الترجيح، وفي عذر المجتهد إذا أخطأ الاجتهاد، أو لم يهتد إلى المعارض، لقوله تعالى: وكلا آتينا حكما وعلمًا، في معرض الثناء عليهما" [5] . وعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" [6] .
وبناءً على هذا فإنه ينبغي رفع الملام عن المجتهد الواهم؛"لأن العذر بالخطأ حكمٌ شرعيٌّ خاصٌ بهذه الأمة" [7] ، وليس القصد من ذكر الأوهام هو التنقيص من العلماء، أو التشنيع بهم، بل المقصود هو التحذير من أخطائهم فقط، كما قال عبد العظيم الديب:"ونؤكد أننا بتسجيل هذه الأوهام، ورصدها، والتنبيه عليها، لا نريد -حاشا لله- الانتقاص من هؤلاء الأئمة الأعلام، أو الحط عليهم -نعوذ بالله من ذلك-، وإنما أحببنا فقط أن نذكِّر بما هو معروفٌ مقررٌ من قصور الإنسان، واستيلاء النقص على قوى البشر" [8] .
فيجب التماس العذر لهم، وتنبيههم على أوهامهم بالتزام الآداب المسطورة في ذلك، قال ابن عثيمين:"وكل إنسانٍ يخالفك في قولك، فإن الواجب عليك أن تحمله على أحسن"
(1) سورة الأحزاب: الآية، 5.
(2) تفسير ابن كثير، 6/ 338 - 339.
(3) سورة الأنبياء: الآيتان، 78 - 79.
(4) تفسير القرطبي، مرجع سابق، 11/ 308 - 309. وتفسير البيضاوي، 4/ 57.
(5) التحرير والتنوير، لابن عطية، 17/ 118.
(6) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 9/ 108. وأخرجه مسلم في صحيحه، مرجع سابق، 3/ 1342.
(7) معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، مرجع سابق، ص 483.
(8) مقدمة تحقيق نهاية المطلب في دراية المذهب، عبد العظيم الديب، المقدمة/ 328.