تُحمل على ما يُعلم من قصد المتكلِّم بها، لا على ظواهرها» [1] . وقال القرافي فيمن قال لعبده: إن أعطيتني عشرة دراهم فأنت حُرٌّ، فأعطاها له العبدُ شيئًا بعد شيء: «لا يُعتق؛ لأنَّه لم يعْطِهِ عشرة، وإنما أعطاه بعضَها في كلِّ زمان. وهذا يَجيءُ على مراعاة الألفاظ. وأمَّا على مراعاة المقاصد فيُعتق: أعطاه الدَّراهم جُمْلةً أو مُتفرِّقة» [2] . وقال ابن القيِّم: «وما مَثَلُ من وَقَف مع الظَّواهر والألفاظِ ولم يُراعِ المَقاصد والمعاني إلا كَمَثَل رَجُلٍ قيل له: لا تُسَلِّم على صاحب بِدْعة، فَقَبَّل يدَه ورِجْلَه ولم يُسَلِّم عليه» [3] .
ومع هذا الاستِرسال في المراوحة بين"المعنى"، و"المقصد"أو"القصد"، فإنَّ"المعنى"في استِعمال الأصوليين، عند التَّحقيق، أعمُّ من أن يكون مقصودًا للمتكلِّم من اللفظ أو لازما له غيرَ مقصود. يشهد لذلك تتابُعُهم على عَدِّ"المعنى الإشاري"المفهومِ من النَّص معنىً لازمًا له غيرَ مقصودٍ للمتكلِّم من اللفظ [4] . وكذا التأويلُ عندهم هو، في المحصِّلةِ، تعارضٌ بين معنيين للَّفظ: أحدهما ظاهرٌ لُغةً، لكنَّه غيرُ مقصود، والآخر باطنٌ لغةً، وهو المقصود. وكذا فرَّق بعضُ الحنفية بين"الظاهر"و"النَّص"بأنَّ المعنى الظاهر غيرُ مقصودٍ بالسَّوْق، بخلاف"النَّص" [5] .
(1) المقدِّمات الممهدات لابن رشد الجد: (2/ 430) .
(2) شرح تنقيح الفصول للقرافي: ص 263.
(3) إعلام الموقعين لابن القيم: (3/ 94) .
(4) قال العزالي (المستصفى: ص 263) : في تعريف ما يُؤخَذُ من إشارة اللَّفظ لا من اللفظ «ونعني به: ما يتَّسع اللَّفظُ من غير تجريد قصدٍ إليه، فكما أنَّ المتكلِّم قد يُفْهَم بإشارته، وحركته في أثناء كلامه ما لا يدلُّ عليه نفسُ اللفظ فيُسمَّى إشارة، فكذلك قد يَتْبَعُ اللَّفْظَ ما لم يُقصد به، ويُبنى عليه» . وقال البزدوي، (أصول البزدوي مع كشف الأسرار للبخاري: 1/ 67) : «الاستدلال بعبارة النص هو العمل بظاهر ما سيق الكلام له. والاستدلال بإشارته هو العمل بما ثبت بنظمه لغةً لكنَّه غير مقصود، ولا سيق له النَّص، وليس بظاهر من كلِّ وجه، فسمَّيناه إشارة» . وقال البركتي (قواعد الفقه: ص 179) : «إِشَارَةُ النَّص هُوَ مَا ثَبت بنظم الْكَلَام لُغَة لكنَّه غيرُ مَقْصُود وَلَا سيق لَهُ النَّص» . وقال الآمدي (الإحكام 3/ 64) : «إن كان مدلولُه [أي غير المنظوم] غيرَ مقصود للمُتَكلِّم، فدلالة اللفظ عليه تُسمَّى دلالة الإشارة» . وقال الأصفهاني، (بيان المختصر 2/ 434) : «إن لم يقصد المتكلِّم ما يلزم عمَّا وُضع له اللفظ، لكن يحصل بالتَّبَعيَّة، فدلالة اللفظ عليه دلالة إشارة» . وكون الإشارة غير مقصودة في خطاب الشارع يحتمل نقاشا وتوضيحا ليس هذا موضعه.
(5) يُنظر: كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري: (1/ 46)