الصفحة 30 من 80

صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، فجعل الناس عِدْلَه مُدَّين من حِنطة؟!» [1] . وقد التزم، رضي الله عنه، ظاهر هذا الأمر، ولم يعبأ بما أحدثه الناس بإخراجهم الحنطة؛ ولذلك «كان لا يُخرج في زكاة الفِطر إلا التَّمر إلا مرةً واحدة، فإنَّه أخرج شعيرا» [2] . وقال له أحدُهم: «قد أكْثرَ الله الخير، والبُرُّ أفضلُ من التَّمر» ، فردَّ عليه: «إني أُعطي ما كان يُعطي أصحابي، سلكوا طريقا فأُريد أن أسلُكَه» [3] .

أما ابن عباس، رضي الله عنه، فقد روى حديثَ زكاة الفطر فلم يذكر فيه القَدْر ونوعَ المخرج، كما صنع ابنُ عمر في روايته، بل ذكر عِلَّة فرض هذه الصدقة وحكمتَها، فقال: «فَرَضَ رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، زكاة الفطر طُهْرةً للصائم من اللَّغو والرَّفث، وطُعْمةً للمساكين» [4] ؛ ولذلك وَسَّع في نوع المخرج، فقال لأهل البصرة: «صدقةُ الفِطر صاعٌ من طَعَام» [5] . وهذا مطلقٌ فيما يَطعمون. وقال لهم: «من أدَّى بُرَّا قُبِل منه، ومن أدَّى شعيرا قُبِل منه، ومن أدَّى تمرا قُبِل منه، ومن أدَّى زَبيبًا قُبِل منه، ومن أدَّى سُلْتًا قُبِل منه. قال [الراوي] : وأظنُّه قال: من أدَّى سَوِيقا، أو دَقيقا، قُبِل منه» [6] . وكذا رأت عائشةُ، رضي الله عنها، جوازَ إخراج القمح، وقد كان الناس يخرجونه نصف صاع، فقالت: «إني أُحِبُّ إذا وسَّع الله على الناس أن يُتمُّوا صاعا من قمح عن كل إنسان» [7] .

ومن ذلك أيضا اختلافُهُم في الوضوء مِمَّا مَسَّتِ النار، فابن عمر، رضي الله عنه: «كان يتوضَّأ مما مَسَّت النار، حتى يتوضَّأ من السَّكَر [8] » [9] . وكذا كان يفعل أبو

(1) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر صاعا من تمر، (2/ 131) ، رقم: (1507) .

(2) أخرجه مالك (الموطأ: 1/ 284) عن نافع عنه. وهذا من أصح الأسانيد.

(3) أخرجه ابن زنجويه (الأموال: 3/ 1249) . وهو متصل ورجال إسناده ثقات.

(4) أخرجه ابن ماجه (السنن: 1/ 585) ، وأبو داود (السنن: 2/ 111) . وقال الألباني: حسن.

(5) أخرجه النسائي (السنن: 5/ 51) . قال الألباني: صحيح الإسناد.

(6) أخرجه ابن زنجويه (الأموال: 3/ 1248) ، والبيهقي (السنن الكبرى: 4/ 282) من رواية ابن سيرين عن ابن عباس. ورجاله ثقات إلا أنَّ ابن سيرين لم يلق ابن عباس. وقد قيل: إنَّ ما أرسله ابنُ سيرين عن ابن عباس فإنما هو عن عكرمةَ عنه (تهذيب الكمال للمزي 25/ 349) ، وعكرمةُ من رجال البخاري. قلت: ويشهد له الخبر الذي قبله، وقد أشار إلى ذلك البيهقي.

(7) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف: 2/ 397) . وإسناده صحيح على شرط البخاري.

(8) قال الجوهري (الصحاح: 2/ 687) : «السَّكَرُ بالفتح: نبيذُ التمر. وفي التنزيل: {تَتَّخِذون منه سَكَرًا} (النحل: 67) » . وقد اختلف المفسِّرون في تفسير السَّكَر في الآية على أقوال، لعل ما يتماشى منها مع الخبر هنا هو تفسيره بأنه، كما أخرجه ابن جرير (تفسير الطبري: 17/ 240) عن الشعبي ورجَّحه: نبيذ التمر مِمَّا لا يُسكِر.

(9) أخرجه عبد الرزاق (المصنف: 1/ 174) عن معمر عن الزهري عن سالم فذكره، وهذا سند صحيح. وقد روى ابن أبي شيبة (المصنف: 1/ 52) خلافَ هذا القول عن ابن عمر من طريق مجاهد وجَبَلة بن سُحَيم، فلعلّه تراجع عنه إذِ اطلع على ناسخ أو معارض، أو كان يتوضأ احتياطا وندبا في غالب أحواله، أو ربما كان الوضوء مما مست النار هو آخر فِعْليه، فسالم بن عبد الله من أدرى الناس بأبيه ومن أكثرهم ملازمة له. وقد تكون روايةُ الوضوء من السَّكر عن ابن عمر غيرَ محفوظة بل وهمًا من عبد الرزاق، والمحفوظ ما روى ابن أبي شيبة (المصنف: 1/ 53) عن ابن عُلية عن معمر عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز كان يتوضأ من السَّكَر (أو السُّكَّر) . والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت