الصفحة 57 من 80

والمالكيَّةُ يُحكِّمون القصد والباعث في العُقُود، تصحيحا وإبطالا. أما الحنفية فيدورون مع ظاهر العقد وما صرَّح به المتعاقدان في صيغته من غير التفات إلى الغرض منه والباعث عليه، حتى لو وُجدت القرائن الدالَّة على القصد المحرم. وعليه فهم يصحِّحون عقد بيع السلاح لقاطع الطريق، وبيع العنب لصانع الخمر. وهم في هذا يلتقون مع مدارس أصحاب الألفاظ والظَّواهر كالشَّافعية والظاهرية [1] .

والمالكيةُ يوجبون حدَّ القذف بالتعريض التفاتا إلى أصلهم في اعتبار القصد على منهج عمر، رضي الله عنه، كما أسلفنا. أما الحنفية فعندهم لا حدَّ في تعريض حتى أنَّ من «قال لامرأةٍ: يا زانية، فقالت: زنيتُ معك - لا حدَّ على الرجل، ولا على المرأة: أمَّا على الرجل؛ فلِوجود التصديق منها إيَّاه. وأمَّا على المرأة؛ فلأنَّ قولها:"زنيتُ معك"يُحتمل أن يكون المرادُ منه: زنيتُ بك، ويُحتمل أن يكون معناه: زنيتُ بحضرتك، فلا يُجعل قذفا مع الاحتِمال» [2] .

والمالكيةُ يَسُدُّون الذرائع التفاتا إلى كثرة وقوع الفعل مقرونًا بالقصد المحرم. أما الحنفية فلا يلتفتون إلى الذرائع ولا يمنعونها، وينظرون إلى ظواهر الأقوال والأفعال فحسب، بل اشتهر عن بعضهم القول بما هو أبعد من ذلك، وهو تسويغ الحيل، قال ابن العربي في الذرائع: «انفرد بها مالك، وتابعه عليها أحمد في بعض رواياته، وخَفِيت على الشَّافعي وأبي حنيفة مع تبحُّرهما في الشَّريعة» [3] .

والمالكيةُ من أشدِّ المذاهب حَزمًا في إيقاع الحدود والعقوبات الشرعية زجرًا للناس عن المفاسد. أمَّا الحنفية فقد توسَّعوا في درء الحدود بأدنى الشُّبَه والحِيَل. وهذا إسرافٌ منهم في الجري مع ظواهر الألفاظ والأفعال دون الالتفات إلى المقاصد والأغراض، حتى قال ابن القيم منتقدا إيَّاهم:

«يا لله العجب، كيف يجتمع في الشريعة تحريم الزنى، والمبالغة في المنع منه، وقتل فاعله شرَّ القِتلات وأقبحها وأشنعها وأشهرها، ثم يسقط بالتحيُّل عليه، بأن يستأجرها لذلك أو لغيره ثم يقضي غرضَه منها؟! وهل يعجز عن ذلك زانٍ أبدا؟! وهل في طِباع ولاة الأمر أن يقبلوا قول الزاني: أنا استأجرتُها لزنى، أو

(1) يُنظر: نظرية الباعث في العقود في الفقه والأصول لوهبة الزحيلي: ص 18.

(2) بدائع الصنائع للكاساني: (7/ 43) .

(3) أحكام القرآن لابن العربي: (2/ 331) . والصواب أنها لم تخف عليهما، ولكنهما لم يرتضياها أصلا بإطلاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت