استأجرتها لتطوي ثيابي ثم قضيت غرضي منها، فلا يحلُّ لك أن تقيم عليَّ الحد؟! وهل ركَّب الله في فِطَر النَّاس سقوطَ الحدّ عن هذه الجريمة، التي هي من أعظم الجرائم إفسادا للفراش والأنساب، بمثل هذا؟! وهل يُسْقِطُ الشارعُ الحكيم الحدَّ عمَّن أراد أن ينكح أُمَّه أو بنته أو أخته بأن يعقد عليها العقد ثم يطأها بعد ذلك؟! وهل زاده صورةُ العقد المحرَّم إلا فُجُورًا وإثما واستهزاء بدين الله وشرعه ولعبًا بآياته؟! فهل يليق به مع ذلك رفعُ هذه العقوبة عنه وإسقاطُها بالحيلة التي فَعَلَها مضمومةً إلى فعل الفاحشة بأمِّه وابنته؟! فأين القياسُ وذِكْرُ المناسباتِ والعِلل المؤثرِّة والإنكارُ على الظَّاهرية؟! فهل بلغوا بالتمسُّك بالظَّاهر عُشرَ مِعْشار هذا؟! والذي يقضي منه العجب أن يُقال: لا يعتدُّ بخلاف المتمسِّكين بظاهر القرآن والسنة، ويُعتدُّ بخلاف هؤلاء! والله ورسوله مُنزَّهٌ عن هذا الحكم» [1] .
ومن أشهر المسائل الفقهية التي انفرد بها الحنفيَّة، وكثيرٌ من أهل الكوفة، عن الجمهور، إباحةُ قليل النَّبيذ ما لم يُسْكِر. وقد جَرَوا في ذلك مع اللفظ دون المعنى، حيث قصروا تحريم القليل والكثير على ما يُسمَّى خمرا في اللغة، وهو ما اتُّخِذ من العنب عندهم. وأمَّا ما أُخذ من غير العنب فلمَّا لم يُسمَّ خمرا، لم يَحْرُمْ جُمْلةً، وإنما حَرُم منه القدْر المسكر [2] . ولو سُلِّم أنَّ لفظ الخمر، لغةً، هو ما كان من العِنَب دون غيره، كما قالوه، فلا أدري ما المعنى الذي حُرِّم من أجله قليلُ عصير العنب المسكرِ كثيرُه، ولم يُحرَّم من أَجْلِه قليلُ عصير التَّمر المسكرِ كثيرُه؟! ولماذا قاسوا الكثير المسكر من أيِّ عصير على الكثير المسكر من عصير العنب، وامتنعوا عن قياس القليل مما أسكر كثيره من أيِّ عصير على القليل مما أسكر كثيره من عصير العنب؟! فهذا من التناقض المعنوي البيِّن الذي جرَّ إليه اتِّباع ما اعتقدوه ظاهر اللفظ.
وكذا إجازتهم للعاصي بسفره أن يترخَّص بالقَصْر والفِطر تعويلا على إطلاق النصوص، وأنَّ العاصي بسفره يُسمَّى مسافرًا [3] ، وهو تشبُّثٌ بظواهر الألفاظ ومراعاةً لها دون المقاصد.
وكذا تمسُّكُهم بإثبات نَسَب الولد للزوج مع وجود القطع بعدم اجتماع الزوجين، كالمشرقي يتزوج المغربية (بتوكيل) فتأتي بولد، وكمن تزوَّج وطلَّق في
(1) إعلام الموقعين لابن القيم: (3/ 147) .
(2) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني: (5/ 112) .
(3) ينظر: فتح القدير لابن الهمام: (2/ 47) .