الصفحة 59 من 80

مجلسٍ واحد، مُتَمسّكين في ذلك بظاهر الحديث: «الولد للفراش» [1] ، دون اعتبار لمعنى البَعضية ومَظنَّته من الدخول وإمكانه الذي يشتمل عليه لفظ الفراش [2] .قال ابن السبكي، بناءً على اجتهاد الحنفية في هذه المسألة وأمثالها: «جَهِد أصحاب الرأي من حيث لا يشعرون فعمَّموا القول بأنّ صور الأسباب الشرعية هي المعتبرة في الأحكام دون معانيها، وإن وَضُحت وضوح الشمس» [3] .

وفي العبادات كثيرًا ما يكتفي الحنفية في الإجزاء بمطلق الاسم، كفرض القراءة، يحصُل عند أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، بآيةٍ واحدة، كـ {مُدْهَامَّتَانِ} (الرَّحمن:64) ، أو {ثُمَّ نَظَرَ} (المدَّثر:21) [4] ، وخُطبة الجمعة تجزئ عنها تسبيحةٌ واحدة [5] ، والركوع والاعتدال منه والسجود يحصل عندهم بما ينطلق عليه الاسم، دون اشتِراطٍ للطُّمَأنينة والسُّكون [6] . وهذا كلُّه تشبُّثٌ بظواهر بعض النُّصوص وإطلاقاتها، مع أنَّه خروجٌ عن مقاصد العبادة من الذِّكر والخضوع.

والحنفيَّةُ، فيما استقرَّت عليه أصولهم، يمنعون من عود عِلَّة النص على ظاهره بالتأثير بتخصيصٍ أو تقييدٍ أو صرفٍ إلى المجاز، وهو منهج أصحاب الألفاظ. أمَّا أصحاب المعاني، كما في حادثة الصلاة في بني قريظة، فيُخَصِّصُون اللَّفظَ بعلَّته، ويقيِّدونه، ويُؤوِّلونه [7] .

(1) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، باب تفسير المتشابهات، (3/ 54) ، رقم: (2953) . ومسلم، كتاب الرضاع، باب الولد للفراش وتوقِّي الشُّبهات، (2/ 1080) ، رقم: (1457) .

(2) ينظر: بدائع الصنائع للكاساني: (2/ 332) .

(3) الأشباه والنظائر للسبكي (2/ 176)

(4) وقال الصَّاحبان: لا تجزئ ما لم يقرأ في كلّ ركعة ثلاث آيات قِصار أو آية طويلة. يُنظر: المبسوط للسَّرخسي: (1/ 221) .

(5) وقال الصَّاحبان: لا يجزئه حتى يكون كلامًا يُسمَّى خطبة. يُنظر: المبسوط للسَّرخسي: (2/ 30) .

(6) قال الكاساني (بدائع الصنائع: 1/ 105) : «القدر المفروض من الركوع أصل الانحناء والميل، ومن السجود أصل الوضع، فأمَّا الطمأنينة عليهما فليست بفرض في قول أبي حنيفة ومحمَّد، وعند أبي يوسف فرض» .

(7) يُنظر تفصيل المذاهب في ذلك الفصل الثالث من كتابي: أثر تعليل النص على دلالته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت