الصفحة 60 من 80

والحنفيَّةُ لا يقولون بالمفهوم المخالف لقيود النص، وفي هذا إِعراضٌ عن التوسُّع في اعتبار القصد من ذِكْر القيد، وتعويلا على مجرَّد الظَّاهر من اللَّفظ. وهم في هذا يلتقون مع الظَّاهرية [1] .

وليس القصدُ من هذا كلِّه أن نصل إلى الحكم بأنَّ الحنفية ظاهرية، أو ننكر أنهم توسَّعوا في التعليل والتقصيد للنصوص الشرعية والقياس عليها، بل المقصود أنهم، أصولا وفروعا، أقربُ إلى أهل الألفاظ والظواهر من المالكية. وإذا تقرر هذا، فهو من أظهر الأدلة على ما أبديناه من خطأ النظر إلى"أهل الرأي"فيما استقرَّ عليه هذا المصطلح، في عصر أئمة الاجتهاد وبعده، على أنهم هُم فقط أهلُ التعليل والمقاصد وأصحابُ المعاني، والنظر إلى من قيل فيهم"أهل الحديث"من فقهاء الأمصار ما عدا الحنفية، لا سيَّما أهل المدينة وإمامهم مالك بن أنس، على أنهم أهل الألفاظ والظواهر.

وينبغي أن نشير هنا إلى أنَّ مصطلح"أهل الحديث"ليس مُصطلحا مُوَحَّدا في استعمال العلماء، وله إطلاقان: واسعٌ وضيِّقٌ، ينبغي عدم الخلط بينهما:

الأول: إطلاقه على مَن عدا أبي حنيفة، رحمه الله، وأتباعه، من فقهاء الأمصار. وهذا هو إطلاقُه الواسع، ويدخل فيه مالك والشافعي وأحمد وسفيان الثوري والأوزاعي والليث وغيرهم من الفقهاء. وهو اصطلاح ابن المنذر وعنه شاع في كتب الخلاف، وهو ما ذكره الشهرستاني في الملل والنحل [2] .

(1) يُنظر: كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري: (2/ 265) . والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: (7/ 2) .

(2) قال رحمه الله (الملل والنحل 2/ 11) : «المجتهدون من أئمة الأمة: محصورون في صنفين، لا يعدُوان إلى ثالث: أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي. أصحاب الحديث: وهم أهل الحجاز، هم: أصحاب مالك بن أنس، وأصحاب محمد بن إدريس الشافعي، وأصحاب سفيان الثوري، وأصحاب أحمد بن حنبل، وأصحاب داود بن علي بن محمد الأصفهاني. وإنما سُمُّوا أصحاب الحديث؛ لأنَّ عنايتهم بتحصيل الأحاديث، ونقل الأخبار، وبناء الأحكام على النصوص، ولا يرجعون إلى القياس الجلي والخفي ما وجدوا خبرًا، أو أثرًا. ... أصحابُ الرأي: وهم أهل العراق هم: أصحاب أبي حنيفة النعمان بن ثابت. ومن أصحابه: محمد بن الحسن، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن محمد القاضي، وزفر بن الهذيل، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وابن سماعة، وعافية القاضي، وأبو مطيع البلخي، وبشر المريسي. وإنما سُمُّوا أصحاب الرأي؛ لأن أكثر عنايتهم بتحصيل وجه القياس، والمعنى المستنبط من الأحكام، وبناء الحوادث عليها، وربما يقدِّمون القياس الجلي على آحاد الأخبار» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت