والثاني: وهو الضَّيِّق، إطلاقُه على طبقة الإمام أحمد وأقرانه وأتباعه من المحدِّثين، الذين سمَّاهم الدَّهلوي بـ"الطِّراز الأول من طَبَقَات الْمُحَدِّثين" [1] ، ومنهم، بالإضافة إلى أحمد بن حنبل، عبد الرَّحمن بن مهْدي، وأبو بكر بن أبي شَيبة، ويحيى بن آدم، وإِسحق بن رَاهويه، وسعيد بن منصور، وعلي الْمَدِينِيّ وأقرانهم. ومِن بعدِهم أصحابُ أحمد وأتباعُه وأبو عُبيد والبُخاري ومسلم وابن جرير الطبري وأبو داود وباقي أصحاب السنن. وهؤلاء جميعا، وأمثالهم، هُمُ الذين اشتهروا باسم أصحاب الحديث في أواخر عصر الأئمة وبعده. وقد كان الشافعي يقصدهم عندما يقول في بعض الأحاديث: هذا لا يثبته أهل الحديث [2] . وهم، أيضا، من كان محمَّد بن الحسن يقصدهم بقوله: «إنْ تكلَّم أصحابُ الحديث يوما فبِلسان الشافعي» [3] ، وكذا الزَّعْفراني، صاحب الشافعي، بقوله: «كان أصحاب الحديث رُقودا حتى جاء الشافعي فأيقظهم فتيقَّظوا» [4] . والربيع، صاحب الشافعي، بقوله: «كان أصحاب الحديث لا يعرفون مذاهب الحديث وتفسيره حتى جاء الشافعي» [5] . وابن تيمية كثيرا ما يذكُرُهم بموازاة الفقهاء والصُّوفيَّة والمتكلِّمين [6] .
وقد تميَّز أرباب هذه الطَّبقة، ومن تلاهم، من أهل الحديث، بميِّزات جعلتهم يختلفون عمَّن تقدَّمهم كمالك وسفيان والأوزاعي والليث وأقرانهم من أهل الحديث، منها: إحاطتُهم بكثير من الأحاديث والطُّرُق التي لم تتيسَّر لمن قبلهم، بسبب شُيوع رواية الحديث وتدوينه وكثرة ما قاموا به من الرَّحَلات. ومنها: عدم تساهُلِ أكثرهم في قَبول مراسيل التابعين، كما كان يفعل المتقدِّمون: مالكٌ وسفيان والأوزاعي. ومنها: عدم تعصُّبهم لأحاديث أهل بلدهم. ومنها: توسُّعُهم في نقد الحديث والرجال بسبب ما أحاطوا به من الطُّرق، وكثرة ما قاموا به من الرَّحَلات، التي مكَّنتهم من السَّبر والتَّمْحيص. ومنها: إِقلالُهُم من الرأي والقياس لاستغنائهم عن ذلك بما أمكنهم جمعُه من آثارٍ من فقه الصَّحابة والتابعين. ومنها: عدم اعتبارهم لـ"عمل السلف"أو"عمل أهل المدينة"أو"عدم العلم بالمخالف"أو"ظواهر القرآن"
(1) حجَّة الله البالغة للدهلوي: (1/ 255) .
(2) يُنظر على سبيل المثال: الأم للشافعي: (1/ 219، و 1/ 294، و 2/ 81) .
(3) الاحتجاج بالشافعي للخطيب البغدادي: ص 30.
(4) المرجع السابق.
(5) تاريخ دمشق لابن عساكر (51/ 357) .
(6) يُنظر على سبيل المثال: الفتاوى لابن تيمية: (1/ 29، و 2/ 42، و 2/ 367) .