الصفحة 62 من 80

أو"قياس الأصول"أو"عموم البلوى"حجَّةً كافيةً لتسويغ ترك العمل بما صحَّ من الحديث.

وقد ذهب عبد المجيد محمود إلى أنَّ فقه هؤلاء من"أهل الحديث"كان قريبا من الظاهر بعيدًا عن التعليل والرأي والقياس [1] . ونحن نوافقه على هذا الاستنتاج من جهة، ونخالفه من جهة أخرى:

أما الموافقة فَنَعم قد كان هؤلاء في أنفسهم، على الغالب، بعيدين عن الرأي والتعليل والقياس قريبين إلى القول بظواهر الألفاظ.

وأمَّا المخالفة فلأنَّ مذاهبَهم وفتاواهم تشتمِل على الكثير مما بُني على الرأي والتعليل، وذلك لأنَّها كانت في معظمها تقليدًا لفقهاء الصحابة والتابعين. وأكثرُ أهل الفتوى من الصحابة والتابعين كانوا أهل رأي وتعليل وقياس. وبهذا كان فقهُ أهل هذه الطبقة من أهل الحديث مشحونًا بالرأي والتعليل لا عن قصد ونظرٍ منهم، وإنما عن اتِّباع وتقليد للسَّلَف. وعليه، فقد كانوا، في أكثرهم، أهلَ معانٍ ورأيٍ بالتَّبَع، وأهلَ ألفاظٍ وظواهِرَ بالأصالة.

ومما يدل على ذلك أنَّ فقهَ أحمد، رحمه الله، وهو المقدَّمُ فيهم، ورافعُ لوائهم، أقربُ الفقه إلى منهاج المالكية وأهل المدينة في مراعاة المصالح والمقاصد والقول بالاستحسان والذرائع وإبطال الحيل. وإنما تبرز النَّزعة الظاهرية عند هؤلاء من أهل الحديث فيما يجتهدون فيه بعد أن لم يقفوا فيه على قولٍ لأحدٍ من السَّلف، كتفريقِ أحمدَ بين نوم الليل والنهار في غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء اعتمادا على ظاهر اللَّفظ «باتت يده» [2] . وكتحريمه نمص الحاجب لظاهر النص مع إباحتهِ حلقَه، ونحو ذلك من المسائل التي تشي بظاهِريَّةٍ قوية.

(1) يُنظر الباب الثالث بعنوان"الاتجاه إلى الظاهر"في كتابه الاتجاهات الفقهية عند أهل الحديث: ص 332.

(2) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب الاستجمار وترا، (1/ 43) ، رقم: (162) . ومسلم، كتاب الطهارة، باب كراهة غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء قبل غسلها، (1/ 233) ، رقم: (278) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت