الصفحة 28 من 50

[قال] محمّد [1] : إذا لم يكن وجوب، فأنا أكره المواعدة والعادة، وروى عنه ابن نافع في المجموعة كراهيته.

ومن كتاب محمّد، قال مالك: وأكره أن يقول: ارجع إليَّ. أو يقول: أنا أشتريه لك، فعُد إليَّ. قيل لمالك: فإن قال: اشتره منه حتى أبتاعه منك بربح إلى أجل، ولم يتراوضا على ربح - [قال] محمّد: يريدُ ولا قطَعَا سومًا - ثمّ عاد إليه، فباعه منه إلى أجل، فهو مكروه، ولا أفسخه إن نزل» [2] . و «قال مالك: وإن قال: ابتع لي هذا الثوب، وأنا أبتاعه منك بربح كذا، فأمّا بالنّقد، فذلك جائز، وذلك جُعْلٌ إذا استوجبه له، ولا خيرَ فيه إلى أجل» [3] .

ويُلاحظ من هذه الرّوايات أنّ مالكًا، رحمه الله، يكره مواعدة الرجل الرجل على بيع ما ليس عنده ثم بيعه إيّاه نسيئةً، ويجيز ذلك نقدًا على أنّها وكالة بأجر (جُعْل) . والمواعدة المكروهة عنده على رتبتين:

الأولى: مواعدة مع مراوضة واتّفاق على مقدار الرّبح.

والرتبة الثانية: مواعدة من غير مراوضة ولا اتّفاق على مقدار الربح.

ومع أن كلا الرتبتين عنده مكروه، إلا إنّه في الثانية لا يفسخ العقد إن أُبرم، وفي الأولى يفسخه، ممّا يدلّ على أن الأولى عنده أشدّ كراهة من الثانية؛ وذلك لأنّها أوثق وأدلّ على التواطؤ. والحيلةُ على الرّبا فيها أظهر. ومن هنا حكم المالكيّة عليها، من بعدُ، بالحرمة، وحكموا على الأخرى بالكراهة التنزيهيّة.

والعلّة التي ذكرها مالك فيما كره من المواعدة على الشراء هي: ذريعة الرّبا «فكأنّه [أي البائع] دَفَعَ ذهبًا في أكثر منها» .

وأمّا مجرّد أن يشتري التاجر ما طُلب منه وليس عنده، ثم يلقى طالبَ السّلعة بعد ذلك فيقول: عندي حاجتك فيبيعها إليه، ولو إلى أجل، فهذا لا بأس به، ويَكره مالك في ذلك أن يقول البائع لطالب السّلعة عندما طلب منه السّلعة ولم يجدها: ارجع إلي، أو أنا أشتريها لك فعُد إليّ.

وبهذا نجد أنّ الإمام مالكًا يتّفق في مذهبه في"المرابحة للآمر بالشّراء"مع جمهور السّلف الذين سبق نقل مذاهبهم في هذه المسألة، وقد قال ابن تيمية: «أصول مالك في البيوعات أجود من أصول غيره، أخذ ذلك عن سعيد بن المسيّب، الذي كان يُقال هو أفقه النّاس في البيوع ... والإمام أحمد موافقٌ لمالكٍ في

(1) هو محمد بن إبراهيم ابن المواز الاسكندراني المالكي، (180 هـ-269 هـ) ، تفقّه بتلاميذ الإمام مالك: ابن الماجشون وابن عبد الحكم، واعتمد على أصبغ بن الفرج. وقيل: إنه أدرك أشهب، وروى عن ابن القاسم وابن وهب، والمعوّل بمصر على قوله. له كتاب من أمّهات الفقه المالكي يُعرف بالموازية. قال عنه القاضي عياض: «هو أجلُّ كتاب ألّفه قدماء المالكيين وأصحّه مسائل، وأبسطه كلامًا وأوعبه، وذكره أبو الحسن القابسي، ورجّحه على سائر الأمّهات، وقال: لأنّ صاحبه قصد إلى بناء فروع أصحاب المذهب على أصولهم في تصنيفه، وغيرُه إنّما قصد لجمع الروايات ونقل منصوص السّماعات ... وفي هذا الكتاب جزءٌ تكّلم فيه على الشافعي وعلى أهل العراق بمسائل من أحسن كلام وأنبله» . يُنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (13/ 6) ، وترتيب المدارك، للقاضي عياض (4/ 167) .

(2) النوادر والزيادات على ما في المدوّنة من غيرها من الأمّهات، للقيرواني (6/ 87) .

(3) المرجع السابق (6/ 88) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت