ذلك في الأغلب، يُحرّمان الرِّبا ويشدِّدان فيه حقّ التَّشديد؛ لِمَا تقدَّم من شدّة تحريمه وعِظَم مفسدته، ويمنعان الاحتيال عليه بكلّ طريق حتى قد يمنعا الذّريعة التي تُفضي إليه، وإن لم تكن حيلةً، وإن كان مالك يبالغ في سدّ الذرائع ما يختلف [1] قول أحمد فيه، أو لا يقوله، لكن يوافقه بلا خلافٍ منه على منع الحِيَل كلِّها» [2] .
جاء في كتاب الحِيل المنسوب إليه: «قلتُ: أرأيت رجلًا أمر رجلًا يشتري له دارًا بألفٍ وأخبره إن هو فعل اشتراها منه الآمر بألف درهم ومائة، وأراد المأمور أن يشتريها، فخاف إن هو اشتراها أن يبدو للآمر فلا يشتريها وتبقى الدار في يدي المأمور؟ قال: يشتري المأمور الدّار على أنّه بالخيار فيها ثلاثة أيام، ويقبضها، ويجيء الآمر إلى المأمور، فيقول: قد أخذت منك هذه الدار بألفٍ ومائة، فيقول له المأمور: هي لك بذلك، فيكون ذلك للآمر لازمًا، ويكون المأمور قد تخلّص» [3] .
ويُؤخذ من كلامه هذا أنّه يجيز المرابحة للآمر بالشّراء، ولا يعتبر الوعد، أو الأمر بالشراء، مُلزِمًا للآمر؛ ولذلك أرشد المأمور بالشّراء إلى استعمال بيع المخايرة حتى يتلافى مخاطرة أن يعدل الآمر عن الشراء، بعد أن تورّط هو بشراء السّلعة من مالكها الأصلي.
ويرِد على الاستشهاد بهذا النّقل عن محمد بن الحسن اعتراضان:
أحدهما: أنّه مشكوكُ النّسبة إليه؛ لأنّ أصحابَه اختلفوا في كتاب الحيل، المقتبس منه هذا النصّ أهو، له أم لا. قال أبو الليث السّمرقندي (ت 373 هـ) : «رُوي عن أبي سليمان الجوزجاني [أخصّ تلاميذ محمّد] أنَّه قيل له: لا تُخرج إلينا كتاب الحيل؟ فقَالَ: كذبوا على محمد، ليس له كتاب الحيل، وكلُّ كتابٍ لمحمّد فقد أخرجته إليكم، إلا كتابًا صنَّفه للسّلطان وليته لم يفعل. فقيل له: من صنَّف كتاب الحيل؟ قَالَ: ورّاقو الكرخ» [4] . وقال السّرخسي (ت 483 هـ) : «اختلف النّاس في كتاب الحيل أنّه من تصنيف محمّد، رحمه الله، أم لا، كان أبو سليمان الجوزجاني ينكر ذلك، ويقول: من قال: إنّ محمّدًا، رحمه الله، صنّف كتابًا سمّاه الحِيَل، فلا تصدّقه، وما في أيدي النّاس، فإنّما جمعه ورّاقو بغداد. وقال: إنّ الجهّال ينسبون علماءنا، رحمهم الله، إلى ذلك على سبيل التعيير، فكيف يُظنّ بمحمّد، رحمه الله، أنّه سمّى شيئًا من تصانيفه بهذا الاسم ليكون ذلك عونًا للجهّال على ما يتقوّلون. وأمّا أبو حفص، رحمه الله، كان يقول: هو
(1) وفي بعض النسخ: ما لا يختلف.
(2) القواعد الفقهية النورانية، لابن تيمية ص 173.
(3) كتاب الحيل مطبوع في ضمن كتاب الأصل للشيباني (9/ 464) .
(4) عيون المسائل، للسمرقندي، ص 442.