ثانيًا: علي بن أبي طالب، رضي الله عنه:
عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر قال: «قضى أمير المؤمنين في رجلٍ أَمَره نَفَرٌ ليبتاعَ لهم بعيرًا بنقد، ويزيدونه فوق ذلك نَظِرَة، فابتاع لهم بعيرًا، ومعه بعضُهم، فمنعه أن يأخذ منهم فوق وَرِقِهِ نَظِرةً» [1] .
وهذه الرّواية منقولة عن كتب الشيعة الإماميّة، ولا تصحّ على أصول أهل السنة، وإنما أوردتها وفاءً باستقراء ما ذُكر في موضوع هذا البحث.
وظاهر هذه الرواية أنَّ عليًّا، رضي الله عنه، لم يمنع من هذا البيع، وإنّما منع من أخذ الزيادة في البيع الآجل. وهذا ظاهرٌ في كونه اعتبرها زيادة غير مشروعة (ربا) لا ربحًا. وقد حملها الشيخ التسخيري على الوعد الملزم دون غيره [2] . وهذا الحمل مرجوحٌ لسببين:
أحدهما: أنّ لفظ الرواية يحتمل الإلزام وعدمه فحمله على أحد الاحتمالين مخالفة للظاهر.
والسّبب الثاني: أنّ عليًّا، رضي الله عنه، صحّح البيع بحذف الزيادة في البيع الآجل فظهر أنّ علة الفساد عنده هي هذه الزيادة، وهي لا تتأثر بالوعد سواء أكان ملزمًا أو غير ملزم. فعِلّة التحريم عنده هي اشتمال هذا البيع على سلف وزيادة، لا العلل الأخرى، كبيع ما لا يملك، أو بيعتين في بيعة وإلا لكان فَسَخَ العقد من أصله، لأنَّ مجرّد حذف الزيادة لا ينفي عن العقد علل الفساد الأخرى لو كانت معتبرة عنده. والله أعلم.
نقل ابن المنذر، كما ذُكر آنفا، القول بالمنع في هذه المسألة عن ابن المسيّب، وابن سيرين، والحسن، والنَّخَعي، وقتادة، وعُبيد الله بن الحسن. قُلت: ووردت الرواية بالمنع أيضًا عن طاووس ومسروق وعطاء.
ونَقَل القولَ بالجواز عن القاسم بن محمد، وحُميد الطويل. قلت: ورُوي الجواز أيضًا عن عامر الشعبي.
(1) ذَكر هذه الرواية وحكم بصحتها الشيخ محمد علي التسخيري، في بحثه: نظرة إلى عقد المرابحة للآمر بالشراء، الذي قدّمه إلى مجمع الفقه الإسلامي، العدد 5، ص 880.
(2) المرجع السابق.