الصفحة 37 من 50

ذلك فهو يكره منها - على وجه التحريم على الأرجح - ما اقترن بقصد فاسد، أو سبقته مواطأة لو دُمجت في العقد لفسد.

وبهذا يكون قول الشافعي في هذه المسألة منسجمًا إلى حدٍّ معقول مع قول من سبقه من أهل العلم في هذا الباب. والله أعلم.

رابعًا: أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية:

نقل ابن المنذر، كما سبق ذكره، القول بالمنع في المسألة عنهما، ونقل أيضًا عنهما في موضع آخر عدَّ هذا البيع من قبيل بيع ما ليس عند الإنسان. قال رحمه الله: «جاء الحديث عن حكيم بن حزام أنّ النبي، صلى الله عليه وسلم، قال له:"لا تبيعنّ طعامًا حتى تشتريه وتستوفيه". وكان الشافعي يقول: معناه أن أبيع شيئًا بعينه وليس عندي. وقال أحمد، وإسحاق: معناه أن يقول لصاحبه: اشترِ كذا وكذا، وأشتريها منك» [1] . وهذا النّقل يفيد أنّ أحمد لا يجيز الصيغة: «اشتر كذا وكذا وأشتريه منك» وهي ممّا يشمل صيغة بيع المرابحة للآمر بالشراء. ويُؤخذ منه أنّ أحمد يعدّ هذه المعاملة ممّا يدخل في بيع ما ليس عند البائع، أي إنّه يعتبر المراوضة على البيع بيعًا، كما سبق نقله عن الإمام مالك.

وجاء في مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه: «قلتُ: المواصفة؟ قال: يصف له المتاع، أَشْتَرِي لك متاع كذا وكذا، يصفه له، ثم يبيعه من الرّجل. قال: أكرهُه، والذي يشتري الشيءَ على الصِّفة، فهو غير هذا، ذاك في ملكه، إذا كان على الصِّفة لزمه البيع. قال إسحاق: كما قال» [2] .

ويُؤخذ من هذا النّصّ ما يأتي:

أولًا: أنّ مصطلح"المواصفة"، كان معروفًا ومستعملًا لدى هذين الإمامين: أحمد وإسحاق. وهما من أئمّة الأثر الكبار، فلا شكّ أنهما قد وقفا عليها في الرّوايات عن ابن المسيّب والحسن وقتادة وغيرهما.

ثانيًا: أنّ الإمام أحمد يبيّن في هذا النّصّ الفرق بين"المواصفة"و"البيع على الصّفة"، فالمواصفة التي هي المراوضة - كما قال ابن المسيب - تكون على الشيء ممّا هو ليس في ملك الإنسان، سواء قام ببيعه قبل أن يشتريه أو بعد ذلك. أمّا البيع على الصّفة فهو بيع الإنسان ما يملك، ولكنّه غائب عن محلّ التعاقد، فيبيعه بعد أن يصِفه للمشتري، فهذا يقول أحمد بجوازه وإنّه لازم للمشتري إن ظهر الوصف صحيحًا.

ثالثًا: كلام الإمام أحمد في تفسير المواصفة المكروهة: «يصف له المتاع، أَشْتَرِي لك متاع كذا وكذا، يصفه له، ثم يبيعه من الرّجل» يشتمل على نوعي المواصفة: البيع الذي يكون بعد تملّك التاجر السّلعة أو الذي يكون قبل تملّكها، لأنّ الإمام أحمد هنا لا يبتدع اصطلاحًا جديدًا، وإنّما يفسّر اصطلاح من قبله. وقد

(1) الإشراف على مذاهب العلماء، لابن المنذر (6/ 23) .

(2) مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (6/ 2632) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت